الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين" [1] ، وقال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في شرح الواسطية:"فمعنى أهل الجماعة أهل الاجتماع لأنهم مجتمعون على السنة متآلفون فيها، لا يضلل بعضهم بعضًا ولا يبدع بعضهم بعضًا بخلاف أهل البدع [2] .
وهنا نكتة مهمة، وهي أن التفريق بين هذين المعنين خلاف الأصل، إذ الأصل أن يتطابق المنهج العلمي والعملي وأن يجتمعا في نفس الكيان الإسلامي، بمعنى أن يتمثل معنى الجماعة في كيان سياسي إسلامي يلتزم بالمنهج العلمي العقدي الإسلامي وهذا ما كان عليه الحال في زمن النبوة قطعًا لا حصرًا، إذ أن هذا التطابق قد وُجد في زمن الخلافة الراشدة ثم أخذ الجانبان يفترقان شيئًا فشيئًا بعد انقضائها، ولا يزال الجانبان يفترقان ويقتربان على مر العصور بحسب ما تكون عليه حال الأمة والقيادة السياسية من علمٍ بعقيدتها والتزام بحراستها وتطبيقها. ولما كان كل من هذين الجانبين جزء لا يتجزأ من مفهوم الجماعة فقد ترتب على هذا الافتراق بينهما في الواقع المشاهد حدوث نوع من الإفراط أو التفريط في تحقيق وحفظ أحد الجانبين على حساب الآخر، وهذا - في نظري - هو السبب الحقيقي لمعظم مظاهر الغلو والجفاء في مسألة الجماعة؛ إنه عدم فقه الموزانة المطلوبة بين الاتباع العلمي والاجتماع العملي كما سنبين إن شاء الله.
إن طبيعة الرسالة العالمية للإسلام تستلزم وجود مرونة تطبيقية تتواءم مع شتى المتغيرات الزمانية والمكانية للتجمعات البشرية التي يطالها خطاب التكليف الإسلامي. وإن هذه المرونة واقعةٌ فعلًا بيد أنها لا تفتأ تُشكِل على البعض بحيث يخلط ما بين المرونات التطبيقية المقبولة والثوابت الراسخة التي لا تقبل تغيرًا ولا تبديلًا ولا تخضع لمتغيرات الزمان والمكان البتة. ولما كانت المفاهيم والتطبيقات المتعلقة بمفهوم الجماعة الإسلامية من أكثر المفاهيم عرضة لتبدلات الأزمنة والأمكنة كان لزامًا علينا التعرف على الثوابت الإسلامية في هذا المجال حتى لا تلتبس بغيرها مما قد تتناوله مرونة التطبيق. ولسوف أعرض فيما يلي جملة من هذه الثوابت ثم أعرض لأمثلة من المسائل التي تقبل المرونة والتغيير في تكييفها وتطبيقها.
المطلب الأول: الثوابت في مفهوم الجماعة الإسلامية:
الثبات ضد الزوال [3] ، والمقصود أننا نثبت في هذا المقام جملة من المبادئ الراسخة المستقرة في شريعة الإسلام مما يتعلق بمفهوم الجماعة لتكون أصولًا يُتحاكم إليها ويتشبث بها عند الاضطرار إلى تفويت بعض المصالح الشرعية أو احتمال بعض المفاسد الشرعية. وإن الأصل في تقرير هذه الثوابت ما ورد في
(1) العقيدة الواسطية - ابن تيمية
(2) شرح العقيدة الواسطية - ابن عثيمين - 647
(3) المفردات - الأصفهاني - 84