الصفحة 4 من 19

قلت: ومرد هذا القول هو أن الجماعة ما كان على المنهج العلمي العقدي السليم المتمثل في هؤلاء الأعلام كما سنبين لاحقًا إن شاء الله.

ثالثًا: أن الجماعة هي الصحابة على الخصوص: ونقل الإمام الشاطبي هذا القول عن عمر بن عبد العزيز، وذكر ما رواه ابن وهب عن مالك قال: كان عمر بن عبد العزيز يقول: سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننًا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعة الله وقوة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها. من اهتدى بها مهتد، ومن استنصر بها منصور، ومن خالفها اتبع غير سبيل المؤمنين وولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرًا. اهـ. [1] قلت: وقد اجتمع في الصحابة الوصفان السابقان من حيث كونهم السواد الأعظم للمسلمين في قرنهم ومن حيث تمثيلهم لمنهج العقيدة السليمة من جهة أخرى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم:"ما أنا عليه وأصحابي" [2]

رابعًا: أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضمن الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يجمعهم على ضلالة، فإن وقع بينهم اختلاف فواجبٌ تعرُّف الصواب فيما اختلفوا فيه. [3] ونقل الشاطبي عن الإمام الشافعي قوله: الجماعة لا تكون فيها غفلة عن معنى كتاب الله ولا سنة ولا قياس، وإنما تكون الغفلة في الفرقة.

قلت: وعند النظر يظهر أن هذا القول راجع إلى القولين الأولين؛ أي السواد الأعظم من المسلمين ممثلًا بأئمتهم المجتهدين وأتباعهم (القول الأول) ، وجماعة الأئمة المجتهدين الذين يمثلون المنهج العقدي العلمي (القول الثاني) .

خامسًا: أن الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير [4] ، فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلزوم هذا الأمير ونهى عن مفارقته، والأصل في هذا حديث عرفجة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنه ستكون هناتٌ وهنات، فمن أراد أن يفرِّق أمر هذه الأمة وهي جميعٌ فاضربوه بالسيف كائنًا من كان" [5] ، فخلاصة هذا القول أن الجماعة راجعة إلى اجتماع المسلمين على إمام موافق للكتاب والسنة، والأمر الظاهر في هذا القول هو الاجتماع العملي السياسي في صيغة دولة وإمارة إسلامية.

هذه مجموع الأقوال في مفهوم الجماعة كما نقلها الشاطبي رحمه الله، والحقيقة أننا إذا تأملنا في مجموع هذه الأقوال استطعنا أن نردها جميعًا إلى معنيين اثنين هما: الاجتماع المنهجي العلمي على العقيدة الصحيحة والاجتماع الحسي العملي في صورة كيان سياسي إسلامي. فالاجتماع المنهجي العلمي هو كما قال أبو شامة: حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه، وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف له كثيرًا، لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم لا نظرة إلى كثرة الباطل بعدهم. [6] ، والاجتماع العملي السياسي هو كما قال ابن تيمية رحمه الله:"ولهذا سُموا [7] أهل الكتاب والسنة وسُمّوا أهل الجماعة لأن الجماعة في الاجتماع وضدها الفرقة وإن كان لفظ"

(1) الاعتصام - الشاطبي - 518 - 519

(2) سنن الترمذي - كتاب الإيمان - باب ما جاء في افتراق الامة - وحسنه الألباني في صحيح الترمذي

(3) الاعتصام - الشاطبي - 519 - 520

(4) المرجع السابق

(5) صحيح مسلم - كتاب الإمارة - حديث 3442

(6) الثوابت والمتغيرات في مسيرة العمل الإسلامي - د. صلاح الصاوي - 138

(7) أي أهل السنة والجماعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت