إن مظاهر التفريط في الجانب العملي لمفهوم الجماعة تدور حول أمرين اثنين هما:
أولًا: عدم اعتبار هذا الوجود الحسي للأمة المسلمة بالكلية:
وقد يذهب أصحاب هذا التوجه إلى الاستدلال بمثل قوله صلى الله عليه وسلم:"يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها. فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، فقال قائل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت" [1] ، فقد يذهب البعض إلى أن وصف الأمة بالغثاء يشير إلى عدم اعتبار كيانها وأنها ليست بشيء، وهذا فيه تفريط في جانب من جوانب مفهوم الجماعة الحسي كما تقدم معنا في بعض أقوال أهل العلم من أن الجماعة المسلمة قد تعني السواد الأعظم للمسلمين، وإن من يتأمل حديث النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك" [2] يجد أنه لا مكان لإلغاء وجود الأمة المسلمة إلغاءً كليًا، نعم قد يقع التفريط والانحراف وقد تظهر معالم خلل كثيرة ولكن يبقى الإسلام وتبقى أمة الإسلام وجماعة الإسلام يشتد عودها تارة وتنكفئ كخامة الزرع تارة أخرى، والحقيقة إن من ينزعون نزعة التفريط هذه إنما يريدون أن يتنصلوا من واجباتهم تجاه هذه الأمة في مرحلة هي أشد ما تكون حاجة إلى إخلاص كل فرد فيها بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لتقوم الأمة من كبوتها، أما أن نقول إن هذه الأمة ليست بشيء البتة فليس هذا إلا سبيل التفريط بل قل إن شئت سبيل التخذيل والتثبيط عن النهوض بهذه الأمة إلى واقع اجتماعٍ أفضل مما هي عليه. وقريب من هذا الفكر تلك الأطروحات التي تريد تعطيل الشريعة والأحكام الثابتة شرعًا بحجة عدم قيام الخلافة، وهؤلاء قد وقعوا في الدور فالخلافة شاغرة وتحتاج من يقيمها، ومن يريد أن يقيمها ينتظر الخلافة التي تؤمن له الغطاء الشرعي لتطبيق الإسلام!
ثانيًا: الإنكار على أي شكل من أشكال التجمع المعقود على الخير:
فلقد أخذ البعض من مفهوم الجماعة بجانبها العملي حدًا قاطعًا لا يراعي معه طبيعة الزمان والمكان من احتمال شغر الزمان عن إمام فيمنع أي شكل من أشكال التجمع العضوي الحركي الذي لا يهدف إلى بغي أو منازعة حكم إمام - وهذا مذموم قطعًا - وإنما يهدف إلى سد ثغرة من ثغرات هذه الأمة ويعمل على التخصص في جانب من جوانب العمل الإسلامي بشكل منهجي يعين على استعادة اجتماع الأمة السياسي المطلوب على طاعة إمام واحد. وإن هذا الإنكار يصبح ذريعة لمنع أي شكل من أشكال التعاون مع هذه التجمعات، وقد يستند هؤلاء في إنكارهم شرعية هذه التجمعات أن لفظ
(1) سنن أبي داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود
(2) صحيح مسلم - كتاب الإمارة