الصفحة 12 من 19

أنها كافرة حتمًا لأن النص يحتمل الوعيد، والوعيد بالنار ليس محصورًا في الكفر، بل قد تفترق بعض الجماعات على أصول بدعية غير مكفرة فتفارق منهج أهل السنة والجماعة وتتوعد بالنار لأجل المعصية لا أنها تخرج من الملة. وواضح أن حمل النص على الكفر والحكم بلازم ذلك وهو تكفير كل من خالف أهل السنة والجماعة ولو بحجة المحافظة على نقاء العقيدة وسلامة الدين لا شك أنه من الغلو المذموم، وأنه على خلاف الحق.

ب ومنها عدم التمييز بين التحاكم إلى غير الله وبين المخالفات الجزئية الواقعة عند الحكم مع بقاء أصل التحاكم إلى الله: وهذا يؤدي إلى تكفير الحاكم والإمام بالمعاصي كما حصل من الخوارج مع علي رضي الله عنه، فقد توهموا أن ما قبل به من التحكيم بينه وبين معاوية مع كونه يعلم أنه على الحق توهموا وزعموا أن ذلك يستلزم الكفر مستدلين بقوله تعالى:"إن الحكم إلا لله" [1] ، ولتفنيد حججهم موضع غير هذا وإنما القصد بيان وجه الغلو عند هؤلاء الذين بالغوا في الاحتياط لمفهوم الإيمان - بزعمهم - فوقعوا في الغلو والإفراط الذي انتهى بهم إلى هذه المفارقة المذمومة لجماعة المسلمين، فعاد عليهم هذا الغلو بنقيض مقصودهم.

2 -ظهور مصطلحات التجهيل ووصف المجتمعات الإسلامية المعاصرة بالجاهلية:

فلقد ظهرت وفشت مصطلحات التجهيل التام للمجتمعات الإسلامية في واقعنا المعاصر، وكان هذا التجهيل تجهيلًا مطلقًا لا استثناء فيه ولا تقييد وكأن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن، وكأن أربعة عشر قرنًا من التاريخ الإسلامي لم توجد أصلًا، وهذا - مع ما فيه من غلو - فيه تنكر شديد لما قام به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وتابعيهم بإحسان على مر العصور والدهور من نشر الدعوة وإقامة الدولة وتوريث المسلمين المنتشرين في أرجاء المعمورة اليوم رصيدًا تاريخيًا ضخمًا مشرفًا رغم ما فيه من عثرات وكبوات، فالقول بأننا اليوم نعيش جاهليةً مطلقة أمر بعيد عن الإنصاف وبعيد عن مقام التقدير والعرفان للنبي صلى الله عليه وسلم وصحبه وسلف هذه الأمة فيما قدموه لهذا الدين بتوفيق وسداد وفضل من الله سبحانه. وقد يكون انطلاق أصحاب هذا الغلو في توصيفهم للمجتمعات الإسلامية بالجاهلية مبنيًا على ما ورد في بعض النصوص كحديث أبي ذر رضي الله عنه قال:"إني ساببت رجلًا فعيرته بأمه، فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم:"يا أبا ذر أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية" [2] ، وحديث النبي صلى الله عليه وسلم:"ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية" [3] ، وغيرها من النصوص التي توهموا منها أن أي أمر يقع في المجتمع الإسلامي من شأن المعاصي والتحاكم إلى غير شرع الله كما هو ظاهر قوله تعالى:"أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون" [4] توهموا أن لازم ذلك هو تجهيل هذه المجتعات بإطلاق، فقالوا إن المجتمعات"

(1) سورة الأنعام - 57

(2) صحيح البخاري - كتاب الإيمان

(3) صحيح البخاري - كتاب الجنائز

(4) سورة المائدة - 50

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت