الصفحة 13 من 19

الموجودة اليوم في بلاد الإسلام هي مجتمعات جاهلية وبنوا على هذا التصور الخاطئ أحكام ومعاملات بل وحاكموا الناس إليها يصوبون من ذهب مذهبهم ويجهِّلون من خالفه. والحقيقة إن أحدًا لا يستطيع إنكار ورود لفظ الجاهلية في كثير من النصوص الشرعية ولكن مدار الإنكار ليس على الاستعمال المقيد بما ورد به الشرع وإنما مورد الإنكار هو على ذلك التعميم المطلق لحكم الجاهلية خلافًا لما وردت به النصوص، حيث إنك تجد لفظ الجاهلية الوارد في النصوص مقيدًا بوصف أو إضافة عندما يكون حكايةً عن حال المسلم حين تلبَّس بشيء من المعاصي، ولم أجد - فيما اطلعت عليه - نصًا شرعيًا يصف المسلم أو المجتمع الإسلامي بالجاهلية المطلقة لمجرد التلبس بالخطأ، بل إذا تأملت حديث جابر بن عبد الله قال: كنا في غزاة - قال سفيان مرةً - في جيش فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري يا للأنصار وقال المهاجري يا للمهاجرين، فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما بال دعوى الجاهلية! قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال: دعوها فإنها منتنة" [1] ، وهذا الحديث قوي جدًا في الشهادة على ما ذكرنا من عدم إطلاق وصف الجاهلية لأن مناسبته تتعلق بالجماعة منهجًا وحسًا، بل تتعلق بمعاقد الولاء والبراء وهذه من أصول العقيدة كما هو معلوم، ومع ذلك لم يقل صلى الله عليه وسلم ما هذه الجاهلية ولم يصف أصحاب هذا الزلل بالجاهليين وإنما قال"ما بال دعوى الجاهلية"فقد قيد التجهيل بمناط الزلل والانحراف، فإذا كان الانحراف في هذه الأصول لا يستدعي التجهيل المطلق، فما بال من يجهِّل لما هو دون هذا، ويشهد لهذا الأمر أيضًا ترجمة الإمام البخاري لباب بعنوان:"المعاصي من أمر الجاهلية ولا يكفَّر صاحبها بارتكابها إلا بالشرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم إنك امرؤ فيك جاهلية، وقول الله تعالى:"إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [2] .قلت: ونحن إذا نظرنا إلى أشد الانحرافات القائمة في المجتمعات الإسلامية اليوم والمتمثل في التحاكم إلى الأنظمة الوضعية وسعنا أن نصف هذا الانحراف بأنه من أمر الجاهلية كما هو ظاهر بعض النصوص، ولكن لا يسعنا تجهيل هذه المجتمعات تجهيلًا مطلقًا لأن الله تعالى قد تكفل بحفظ هذا الدين والقول بالتجهيل المطلق يعني اندثار الدين وهذا لا يصح حتى في أشد حالات انتقاض عرى الإسلام وحتى في أشد حالات جهل أهل الإسلام بالإسلام، تأمل معي حديث حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة وليُسرى على كتاب الله عز وجل في ليلة فلا يبقى في الأرض منه آية وتبقى طوائف من الناس الشيخ الكبير والعجوز يقولون أدركنا آباءنا على هذه الكلمة لا إله إلا الله فنحن نقولها فقال له صلة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة ثم ردها عليه ثلاثًا كل ذلك يعرض عنه حذيفة ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة تنجيهم من النار ثلاثا" [3] ، والشاهد هنا في قوله"تنجيهم من النار"أن حال هؤلاء على ما فيهم من جهل ليس كحال الجاهلية المطلقة قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، وكفى بالنجاة من النار فوزًا عظيمًا!

(1) صحيح البخاري - كتاب تفسير القرآن - 4525

(2) صحيح البخاري - كتاب الإيمان - باب المعاصي من أمر الجاهلية

(3) سنن ابن ماجة - كتاب الفتن، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت