فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 504

كأنه مذهبة، وقال: (من سن في الإسلام سنة حسنة...) إلى آخر الحديث. الآن نقول: لا يصح بوجه من الوجوه أن يفسر الحديث بالتفسير الأول: من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؛ لأننا سنقول: أين البدعة التي وقعت في هذه الحادثة، وقال عليه الصلاة والسلام بمناسبتها من ابتدع في الإسلام بدعة حسنة؟ لا نرى هناك شيئًا من هذا القبيل إطلاقًا، بل نجد أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم خطبهم آمرًا لهم بالصدقة، مذكرًا لهم بآية في القرآن الكريم، كانت نزلت عليه مسبقًا، وهي: (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [المنافقون:10] وأكد ذلك ببعض حديث: (تصدق رجل بدرهمه.. بديناره.. بصاع بره.. بصاع شعيره) إذًا ليس هناك إلا الصدقة، والصدقة عبادة، تارة تكون فريضة، وتارة تكون نافلة. فإذًا: لا يجوز أن نقول: معنى الحديث من ابتدع؛ لأنه لم يقع هنا بدعة، ولكن لو رجعنا إلى لفظة (سنَّ) في اللغة العربية، للمسنا منها شيئًا جديدًا في هذه الحادثة، لكن ليست هي البدعة، الشيء الجديد هو قيام هذا الرجل أول كل شيء وانطلاقه إلى داره ليعود بما تيسر له من صدقة، فأصحابه الآخرون فعلوا مثل فعله، فسن لهم سنة حسنة، لكن هو ما سن بدعة، سن لهم صدقة، والصدقة كانت مأمور بها من قبل، كما ذكرت آنفًا. قد أكون أطلت قليلًا أو كثيرًا، ولكن أرى أن هذا البيان لا بد منه لكل طالب علم؛ ليفهم النصوص الشرعية فهمًا صحيحًا حتى لا يضرب بعضها ببعض. فقوله عليه الصلاة والسلام الذي أخذ بظاهره بعض العلماء فأباحوا أخذ الأجر على القرآن مطلقًا، لا يصح فهمه على هذا الإطلاق، بل ينبغي أن نربطه بالسبب وهو: الرقية، فلا يكون في ذلك أخذ الأجر المنصوص في الحديث لمجرد تلاوة قرآن أو تعليمه، بل للرقية بالقرآن الكريم، ويؤكد هذا أخيرًا -ولعلي أكتفي بهذا الذي سأذكره- أن رجلًا علَّم صاحبًا له في عهد النبي صلى الله عليه وسلم القرآن، فأهدى إليه قوسًا ولكنه توقف حتى يسأل النبي. عودًا إلى حديث أبي سعيد، لماذا توقف أبو سعيد من الاستفادة من الأجر الذي أخذه من أمير القبيلة، وهذا الرجل الثاني لما أهديت له القوس توقف حتى سأل الرسول عليه السلام، لماذا توقف هذا وذاك؟ لأنهم كانوا فقهاء حقًا، وكانوا يفهمون مثل الآية السابقة: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5] فأبو سعيد قرأ القرآن ولو أنها مقرونة بالرقية، وهذا الآخر علم صاحبه القرآن، فخشي أن يكون ذلك منافيًا للإخلاص في عبادة الله عز وجل. فكان من ذلك أن أبا سعيد تورع عن الانتفاع بالأجر الذي أخذه مقابل الرقية، حتى قال له عليه السلام ما سمعتم، أما هذا الرجل الثاني الذي علم صاحبه القرآن، لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له بأنه علمه فأهدى إليه قوسًا، قال: (إن أخذتها طوقت بها نارًا يوم القيامة) فإذًا أخذ الأجرة على تعليم القرآن بهذا الحديث والحديث الآخر: (يتعجلونه ولا يتأجلونه) لا يجوز إطلاقًا. دروس ومحاضرات مفرغة من تسجيلات الشبكة الإسلامية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت