كفيه، ألا وهو عبد الله بن مسعود، حيث روى الإمام أبو جعفر الطحاوي في كتابه شرح معاني الآثار، بالسند الصحيح عن ابن مسعود: [أنه كان إذا علم أصحابه التشهد يأخذ عليهم الحرف الواحد] . أي: إذا زاد حرفًا، أو نقص حرفًا، يقول له: لا. ارجع وقلها كما تلقيتها عن الرسول عليه الصلاة والسلام. فهل نتصور مثل هذا الصحابي -لو كان وحده- يأتي إلى التعليم الذي لقنه الرسول عليه السلام إياه مباشرة: السلام عليك أيها النبي، فيأتي ويعدل منه إلى (السلام على النبي) دون أن يكون عنده تعليم وتوجيه من الرسول عليه السلام له بذلك؟ حاشاه من ذلك! فكيف وليس هو في الميدان وحده، هو أولًا: يروي لنا فيقول: [فلما مات الرسول صلوات الله وسلامه عليه قلنا -أي: نحن معشر الصحابة- السلام على النبي] ، ولذلك تأكيدًا لهذا المعنى الذي رواه لنا ابن مسعود بصيغة الجمع: قلنا، جاء هذا التشهد مع اختلاف الألفاظ، كما هو مذكور في صفة الصلاة عن السيدة عائشة بـ: السلام على النبي، وجاء عن عمر بن الخطاب في موطأ مالك: السلام على النبي وهكذا. إذا: ما نقوله هو اتفاق وإجماع من الصحابة، وذهبوا إليه ليس اجتهادًا منهم وتغييرًا للنص -كما يتبادر من سؤال السائل- وإنما بتوقيف من الرسول صلوات الله وسلامه إياهم. ما أبدع هذا الأمر فيما إذا عرفنا اليوم غلو الناس في دعاء الموتى، والاستغاثة بغير الله عز وجل، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم أومأ وأشار إلى هؤلاء الصحابة من باب سد الذريعة، إذا أنا مت فقولوا: (السلام على النبي) ؛ ذلك لأن كثيرًا من الناس اليوم يتوهمون أوهامًا كثيرة، منها: أن الموتى كلهم يسمعون كثير من الناس اليوم -إذا لم نقل كلهم- يتوهمون أن الموتى يسمعون، فإن سيدهم وسيد المسلمين جميعًا محمد عليه الصلاة والسلام يسمع من باب أولى، فما بالكم إذا كان الرسول لا يسمع حتى الصلاة عليه، وهو أفضل ما يقال في حقه عليه الصلاة والسلام؟ فهل يسمع استغاثة المستغيثين به من دون الله عز وجل؟ هل يسمع توسل المتوسلين به من دون الله عز وجل؟ فالصلاة على الرسول لا يسمعها هو، وقد يستغرب بعضكم ممن لم يطرق سمعه مثل هذا الكلام من قبل.. كيف أن الرسول لا يسمع الصلاة عليه؟ نعم. اسمعوا حديث الرسول عليه السلام الذي قال فيه: (أكثروا عليَّ من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم تبلغني) . فقال: (فإن صلاتكم تبلغني) ما قال: أسمعها، قالوا: (كيف ذاك وقد أرمت؟ قال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء) ويوضح هذا التبليغ: (فإن صلاتكم تبلغني) يوضحه حديث آخر يرويه أيضًا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام) إذًا الرسول عليه السلام إذا صلى أحدنا عليه، فإنه لا يسمع هذا السلام كما يتوهم جميع الناس تقريبًا، وإنما هناك ملائكة مخصصون وموظفون من رب العالمين؛ لينقلوا سلام المصلين عليه إليه صلوات الله وسلامه عليه، فإذا كان عليه الصلاة والسلام لا يسمع؛ فإذًا نحن نخاطبه حيث جاء الخطاب فقط كما نخاطب الموتى ونقول لهم: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين ...) إلى آخر