ثانيًا: أن الغرض من مشروعيته التيسير ورفع الحرج كما صرحت بذلك رواية مسلم , ومراعاة الجمع الصوري فيه من الحرج ما لا يخفي .
ثالثًا: أن في بعض أحاديث الجمع ما يبطل دعواهم , كحديث أنس بن مالك بلفظ (أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا) رواه مسلم وغيره.
رابعًا: ويبطله أيضًا جمع التقديم الذي صرح به حديث معاذ هذا: (وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إِلَى الظُّهْرِ) , والأحاديث بهذا المعنى كثيرة كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
2-وأن الجمع كما يجوز تأخيرًا يجوز تقديمًا , وبه قال الإمام الشافعي في الأم , وكذا أحمد وإسحاق , كما قال الترمذي.
3-وأنه يجوز الجمع في حال نزوله كما يجوز إذا جد به السير , قال الإمام الشافعي في الأم بعد أن روى الحديث من طريق مالك: (وهذا وهو نازل غير سائر لأن قوله: [دخل .... ثم خرج] , لا يكون إلا وهو نازل , فللمسافر أن يجمع نازلًا وسائرًا.
قلت: فلا يلتفت بعد هذا النص إلى قول ابن القيم رحمه الله في الزاد: (ولم يكن من هديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الجمع راكبًا في سفره كما يفعله كثير من الناس , ولا الجمع حال نزوله أيضًا) .
وقد اغتر بكلامه هذا بعض إخواننا السلفيين في بعض الأقطار , فلذلك وجب التنبيه عليه.
ومن الغريب أن يخفى مثل هذا النص على ابن القيم رحمه الله مع وروده في الموطأ , وصحيح مسلم , وغيرهما من الأصول التي ذكرنا , ولكن لعل الغرابة تزول إذا تذكرنا أنه الف الكتاب الزاد في حال بعده عن الكتب وهو مسافر , وهذا هو السبب في وجود كثير من الأخطاء الأخرى فيه , وقد بينت ما ظهر لي منها في التعليقات الجياد على زاد المعاد).
ومما يحمل على الاستغراب أيضًا أن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله صرح في بعض كتبه بخلاف ما قال ابن القيم رحمه الله , فكيف خفي عليه ذلك وهو أعرف الناس به وبأقواله؟.
قال شيخ الإسلام في مجموعة الرسائل والمسائل بعد أن ساق الحديث: (الجمع على ثلاث درجات: أما إذا كان سائرًا في وقت الأولى: فإنما ينزل في وقت الثانية . فهذا هو الجمع الذي ثبت في الصحيحين من حديث أنس وابن عمر، وهو نظير جمع مزدلفة . وأما إذا كان وقت الثانية سائرًا أو راكبًا، فجمع في وقت الأولى، فهذا نظير الجمع بعرفة، وقد روى ذلك في السنن [يعني حديث معاذ هذا] , وأما إذا كان نازلا في وقتهما جميعًا نزولا مستمرا، فهذا ما علمت روى ما يستدل به عليه إلا حديث معاذ هذا . فإن ظاهره أنه كان نازلًا في خيمة في السفر، وأنه أخر الظهر ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعًا، ثم دخل إلى بيته، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعًا . فإن الدخول والخروج إنما يكون في المنزل . وأما السائر فلا يقال: دخل