فهرس الكتاب

الصفحة 422 من 504

ديارهم - حينذاك - كان جهده الجهيدُ هو الاهتمامَ بالتوحيد . وكأمر طبيعي جدًّا - فيما أرى - حيثُ إنَّ طاقةَ الإنسان محدودةٌ - فهو لا يستطيعُ أن يُحاربَ في كل جبهةٍ كما يقولونَ ، ولذلك كانت جهوده كلها مُنصبةً على نشر دعوة التوحيدِ ومُحاربةِ الشركياتِ والوثنياتِ ، وكان مُوَفَّقًا في ذلك كلَّ التوفيق ، ووصلت دعوتُه الطيّبةُ إلى العالِم الإسلامي فيما بعدُ ، ولو أنَّه جرى بينَه وبين خُصومِهِ حُروبٌ مع الأسفِ الشديد ، هذه سنةُ اللَّهِ في خلقِهِ ، ولن تجدَ لسنة اللَّه تبديلًا . لكن في العصرِ الحاضر قام بعضُ العُلماءِ بتجديدِ دعوة الكتاب والسنةِ ، واستيقظ كثيرٌ من الخاصة والعامة في البلاد العربية ، أما البلادُ الأعجميةُ فلا يزالون في سُباتهم مع الأسفِ الشديد . إلاَّ أن هذه البلاد العربية أُصيبت بنكسةٍ - وهي ما أشرتُ إليه آنفًا - حيث إن بعضهم ما وقفَ عند الوسطِ ، بل عرفوا شيئًا وجهلوا شيئًا ، فترى الرَّجلَ العامي الذي لا يفهم شيئًا إذا سألَ العالم عن مسألةٍ ما ، ما حُكمُها ؟ سواءٌ أكانَ الجوابُ نفيًا ومنعًا بادرَ بمطالبته: ما الدليل ؟ وليس بإمكان ذاك العالم - أحيانًا - إقامة الدليل ، خاصةً إذا كان الدليلُ مستنبطًا ومُقتبسًا اقتباسًا ، وليس منصوصًا عليه في الكتاب والسنة حتى تُوردَ الدليل ، ففي مثل هذه المسألة لا ينبغي على السائل أن يتعمَّق ويقول: ما الدليل ؟ يجبُ أن يَعرفَ نفسه: هل هو من أهل الدليل أم لا ؟ هل عنده مُشاركةٌ في معرفة العامِّ والخاصِّ ، المُطلقِ والمُقيَّدِ والناسخ والمنسوخ ، وهو لا يفقه شيئًا مِن هذا ، فهل يفيدُه قولُه: ما هو الدليلُ ؟! وعلى ماذا ؟!

أقولُ: على (حُكْم) رقص المرأةِ أمامَ زوجها أو رقصِ المرأةِ أمام أُختِها المُسلمةِ جوازًا أو منعًا ! ودبكة الرِّجال ! يريد الدليل على ذلك ! وفي الحقيقة أنه لا يُوجدُ لنا دليلٌ نَصِّيٌّ عن الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلكَ ، إنما هو النظر والاستنباط والتفقه . ولذلك نحنُ نقول في بعض الأحيان: ليسَ كل مسألة يُفصّلُ عليها الدليل تفصيلًا يفهمه كل مسلم ، سواءٌ أكانَ عاميًّا أُميًّا ، أو كانَ طالبَ علم ، وليس هذا في كل المسائلِ ؛ لذلك قال تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) الأنبياء7 . ومن التطرُّفِ الذي أشرتُ إليه آنفًا - وصارَ أجهلُ الناس بسببه يرفضُ الدليلَ - أنَّ كثيرًا من المنتمينَ إلى دعوةِ الكتابِ والسنة يتوَّهمونَ أنَّ العالمَ إذا سئلَ عن مسألة يجبُ عليه أن يقرنَ جوابَه بقالَ اللَّه وقالَ رسولُه . أقولُ: هذا ليسَ بالواجبِ ، وهذا من فوائدِ الانتماءِ إلى منهج السلفِ الصالحِ ، وسِيَرهُم - رضي اللَّه عنهم - وفتاواهم دليلٌ علميٌّ ما قلته .

وعليه ؛ فإنَّ ذِكرَ الدليل واجبٌ حينما يَقتضيه واقعُ الأمرِ ، لكن ليسَ الواجبُ عليه كلما سُئل سُؤلًا أن يقولَ: قال اللَّهُ تعالى كذا ، أو قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كذا ، وبخاصةٍ إذا كانت المسألةُ من دقائق المسائل الفقهية المُختلف فيها . وقوله تعالى: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ) ، هو أولًا على الإطلاق ، فما عليك إلا أن تسألَ من تظنُّ أنَّه من أهلِ العلمِ ، فإذا سمعتَ الجوابَ فعليكَ بالاتباع ، إلاَّ إذا كانت عندك شبهةٌ سمعتها من عالمٍ آخر ، لا بأسَ من أن توردها ، فحينئذ من الواجب على العالم أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت