فقال له الرجل: يا ابن عباس مالي أراك لا تسمع لحديثي ؟ أحدثك عن رسول الله ( ولا تسمع ، فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ( ابتدرته أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا ، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف .
فسبحان الله ! هذا في عصر الصحابة رضي الله عنهم ، فماذا نقول نحن الآن ؟
إن ابن عباس لم يلتفت لهذا الرجل لأنه لا يثق في روايته وفي قوله ، ولا يعتبره حتى يأخذ منه دينه ، وصرح له بالسبب الذي جعله لا ينصت له ولا يسمع فقال ما معناه: إنه في وقت من الأوقات وهو الوقت الذي لم يدخل في الإسلام من لم يعرفه جيدًا ولم ينشأ الذي يتقول على رسول الله ( ما لم يقل أو الذي يأخذ عن كل ما هب ودب من غير أن يتثبت ، فكان ابن عباس يسمع ممن يروي عن رسول الله ( ويبتدره بصره ، يعني: يتنبه إليه بشدة ويلتفت إليه ويصغي إلى ما يرويه حرصًا على نقل الدين وحفظه ، وأما بعدما تساهل الناس وحصل ما حصل وهو ما عبر عنه بقوله( ركب الناس الصعب والذلول ) ، يعني: لم يتحرجوا في شيء من الرواية وإنما أخذوا عن كل ما هب ودب ، قال ابن عباس: لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف .
والذلول: الناقة التي تتخذ للسفر والانتقال ، وهي مذللة طائعة .
والصعب: الناقة أو الجمل الذي يصعب ركوبه ولا يصلح للسفر والانتقال عليه ، وهذا التعبير يراد به أنه لا فرق عندهم بين الطيب والخبيث ، ولأجل هذا لم يأخذ من الناس إلا ما يعرف ، يعني: يعرف صدق صاحبه ويعرف صحة روايته .
ـ وننتقل إلى التابعين ، فنجد أن ابن سيرين ثبت عنه قولة عظيمة دائمًا يذكرها أهل العلم لأنها كلمة جامعة ، وهي قوله رحمه الله: ( إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ) .