فما دام أن الصحابةَ قد تفرَّقوا وعندهم كثيرٌ عن رسولِ الله ( فمنهم من أقام بالكوفة ومنهم من أقام بالبصرة ومنهم من أقام بالشام ومنهم من أقام بالعراق ، وهكذا ..
فلزمت الرحلةُ لطلب الحديثِ وجمعِهِ من أفواهِ الرجال ، لأنه كما ذكرنا هي المصدر الثاني للتشريع والوحي وهي وكتاب اللهِ صِنْوان يفترقان كما أكَّدْنا ذلك مرارًا .
فأقول: بدأت الرحلةُ في طلب الحديث إلى الصحابةِ والتابعين للتَّثَبُّتِ من الأحاديث ، ولتحصيلِ ما لم يحصلوه منها ، وطلبًا لِعُلُوِّ الإسنادِ .
ونفسر هذه الجملة ( طلب علو الإسناد ) ، والمعنى:
أن الحديثَ يبلُغُ الشخصَ عن طريقِ غيره ولكنه يحب أن يسمعَه بنفسِه من الراوي الأصلي ، فهذا هو العلُوُّ في الإسناد وهو محمود عند أهل العلم وأصحاب الحديث . فإذا سمع الصحابيُّ حديثًا عن صحابيٍّ آخرَ بواسطةٍ ؛ فالأولى والأكملُ أن يذهبَ إلى صاحبِ الحديثِ الأصليِّ فيسمعه منه مباشرةً من غير واسطةٍ ، فهذا ما يعبِّرُ عنه أهلُ الحديث بعلوِّ الإسنادِ .
وما زالَ الأمرُ إلى الآن ، يحرصُ طلاّبُ العلمِ على علوِّ الإسنادِ ، فكلَّما علِموا أحدًا من أهلِ العلمِ يكونُ بينه وبين رسولِ الله ( عددٌ أقلُّ من غيره حرِصوا على أخذِ الإجازةِ منه حتى يحظى لهم العلُوُّ بالإسناد .
ونذكرُ هنا بعضًا أو طرفًا من قَصَصِ الصحابةِ والتابعينَ الذينَ رحَلوا طلبًا لعلوِّ الإسنادِ أو طلبًا للحديثِ علومًا نتيجةً لانتشار الحديث في بقاع المعمورةِ .