وفي هذا سرٌّ عجيبٌ لأنه ( لو لم يرخِّصْ في كتابة الحديث لأعرضَ المسلمون في سائر الأزمنةِ عن كتابته ففقدنا الكثيرَ منه وأضِيفَ فيه ما ليس منه .
والخلاصةُ أنه قد حكى أهلُ العلمِ انعقادَ الإجماعِ مؤخَّرًا على تجويز كتابة الحديث واندفع الخلاف في ذلك والحمد لله رب العالمين .
وهناك مدوَّناتٌ اشتهُرِتْ في عهده ( ، وأشهر هذه المدوَّنات الوثيقة التي كتبها ( بين المهاجرين والأنصار ؛ وبين المسلمين واليهود ؛ عندما قدِمَ إلى المدينة ، وهي وثيقةٌ مشهورةٌ ولها عدةُ طُرُقٍ ، وفيها من الفوائد الشيء الكثير ، وورد أجزاءٌ منها في أحاديثَ كثيرةٍ مستقلَّةٍ ولها عدَّة طرُقٍ تصل إلى درجة التحسين ، من أراد أن يراجعها فليرجع إليها في كتب السير والمغازي التي ساقتها بطولها .
كذلك الكتب التي كتبها النبي ( للملوك ، وهذه من المدوَّنات المشتهرة ، ويُذْكَرُ أن بعضًا منها لا يزال موجودًا إلى الآن ويتداولُ الناسُ صُوَرًا منها لعلها صحية وربما تكون مصطنعة ، فلا نستطيع الجزم بواحدٍ من الأمرين الآن .
أيضًا كتب النبي ( لأهل اليمن كتابًا وأعطاهُ إلى عمروِ بنِ حزمٍ ، وهو كتابٌ مشهورٌ أيضًا ، وهناك بعضُ ألفاظٍ له لا تثبت من جهة السَّند .
وقد ذكرنا فيما مضى الصحيفة التي كانت عند علي بن أبي طالب ( وكانت معه في قراب سيفه ، وفبها أحاديث للنبي ( في الديات والعقول وفكاك الأسير ، وفيها في فضل المدينة أنه من أحدث فيها حدثًا أو آوى فيها محدِثًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ، لا يقبل الله منه صرف ولا عدل يوم القيامة هذه أشهر المدونات التي دونت في العصر النبوي ، ونكتفي بهذا القدر لنبدأ الحديث في المحاضرة التالية إن شاء الله تعالى عن التدوين الرسمي للسنة النبوية .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا .