فقد بيَّن الوجهةَ التي من أجلِها لم يبدأْ في كتابة السنةِ كتابةً رسميَّةً وتدوينٍ رسميٍّ ، وأن ذلكَ كان منه خشيةً مما ذكرَ حيث كان الوضعُ العامُ للمسلمين يُؤَيِّدُ ما ذهبَ إليه ، فإن الناسَ كانوا يدخلونَ في دينِ اللهِ أفواجًا من أجناسٍ شتّى مختلفةٍ ، وكان الذي ينبغي أن يُوَجَّهوا إلى كتابِ اللهِ ويجتهدوا في حفظِهِ وتدُبِّرِهِ وأن لا ينشغِلِ المسلمونَ الجُدُدُ بغير ِذلك بصفةِ رسميَّةٍ ، وكان الوضعُ يشبه الوضعَ الأوَّلَ عندما منعَ رسولُ اللهِ ( من الكتابةِ مطلَقًا .لذلك رأى عمرُ ( أن يمنعَ التدوينَ الرسميَّ في تلكَ الفترةِ حتى زالَ ما كان يحذَرُهُ ( وبدأ التدوينُ .
( العوامل التي أدَّتْ إلى قلَّةِ التدوينِ في الصًّدْرِ الأول:
من المهم أن نركّزَ على العوامل التي أدت إلى قلة التدوين في الصدر الأول ، وهي عوامل كثيرة منها:
1ـ النهيُ عنه في بداية الأمرِ لئلاّ يُشتغلَ به عن القرآن أو يُخْلَطَ بالقرآنِ غيرُه .
2ـ ما كان يتمتَّع به العربُ في تلكَ الآوِنَةِ من سَعَةِ الحفظِ وسَيَلانِ الذِّهنِ ، فخشيةَ أن يُتَّكَلَ على الكتابةِ فيقلَّ الحفظُ بل ربما بطل كما هو الحالُ في زماننا ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله ، فإن الحفظَ أصبحَ ضعيفًا جدًا لكثرةِ الاعتمادِ على الكتابةِ والأمور الحديثةِ من التقنيات مثل ما نحن فيه الآن من الكومبيوتر والآلات ونحو ذلك .
3ـ أن أكثرَ الناس في ذلك الوقت كانوا لا يعرفون الكتابة ، وقد ذكرنا أن بعض أهل العلم ذهب إلى القولِ بأن الكتابةَ كانت تعتبرُ نادرةً .
4ـ قربُ العهدِ ، فإن الصدر الأول كان قريبَ العهدِ برسولِ الله ( وبالحديث ، كانت الاختلافات قليلةً ، فلم يكن هناك حاجةٌ ماسّةٌ لضبطِ النُّصوصِ خشيةَ الاختلاف أو النسيانِ .