الصفحة 196 من 205

وقوله:

أناوٍِ رجالك قتل امرىء

من العز في حبك اعتاض ذلا (60)

ونقول: إِن تقديم الوصف وتوحيده لم يكن عبثا، فتقدم الخبر ههنا عملية تركيز أو تبئير، وجعل الجماعة أو الاثنين واحدا فيه من التركيز والتكثيف للمعنى ما لا خفاء فيه، ففي البيت الثاني الذي جاء

فيه الوصف خبرا عن المثنى، يريد الشاعر أن يقول: أنتما في عدم الوفاء كأنكما على قلب رجل واحد، أي أنتما في عدم الوفاء سواء ولو طابق الخبر المبتدأ ما أدى هذا المعنى؛ لأن التثنية تفيد أنهما وافيان، ولكن المعنى محتمل لأن يكونا متساويين في الوفاء. ومتفاوتين، وعليه فلو قال"ما وافيان بعدي أنتما"ما فهم منه مباشرة أنهما في عدم الوفاء بعهده على نفس المستوى كما يفهم ذلك من الإِفراد.

وأما في الشواهد الأخرى التي جاء فيها الوصف خبرا عن الجمع فالأمر هو الأمر ذاته مع البيت السابق، فالشعراء يستفهمون عما إِذا كان المعنيون على نفس المستوى، أي على قلب رجل واحد بالنسبة للحدث المستفهم عنه. ولو طابق الخبر المبتدأ في العدد ما أدى هذا المعنى بدقة. ولذا كان عدم المطابقة هو الأسلوب الأمثل لنقل هذه المعاني والأفكار، وذلك أن التكلم ليس تركيب جملة فحسب، وإِنما هو اختيار لجملة نراها مطابقة للمقام بين نماذج من الجمل تزودنا بها الذاكرة (61) .

وعليه نقول: إِن الإِخبار عن الجمل بالمفرد في قوله تعالى: ( والملائكة بعد ذلك ظهير) (62) كان - والله أعلم- للإعلان أن الملائكة في نصرتهم للنبي صلى الله عليه وسلم كأنهم على قلب ملك واحد، لا تفاون بينهم في ذلك. وكذلك إِفراد الجمع في قوله:

خبير بنو لهب فلاتك ملغيا

مقالة لهبي إِذا الطير موت (63)

هو من هذا القبيل. ولكن النحويين سعيا منهم لمنطقة هذه لأساليب خرجوا عدم المطابقة على أساس أن صيغة"فعيل"مستثناة من لزوم المطابقة، نظرا إِلى أنها تأتي بمعنى الجمع (64) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت