إِن المطابقة الصرفية بين الوحدات الصرفية مطلب تفرضه اللغة المنطقية وتوجبه. ولكنها ليست مطلبا في اللغة الانفعالية. ففي هذه اللغة يصير الواحد جمعا، والجمع واحدا، والمادي معنويا، والمعنوي ماديا، والمذكر مؤنثا والمؤنث مذكرا... ليس من قبيل العبث أو التلاعب باللغة، وإِنما يجد الإِنسان نفسه مسوقا تحت غمرة الانفعال ومقتضيات الاستعمال إِلى اعتبار هذا الشكل أو ذاك هو الشكل الأنسب لتجسيد أفكاره والتعبير عن خلجات نفسه وانفعالاته. والتعبير عن أي فكرة لا يخلو مطلقا من لون عاطفي، ولا تكاد توجد جملة لا تخالطها عناصر انفعالية (53) . وعليه ينبغي لنا أن نميز بين اللغة المنطقية الجامدة الثابتة، وبين لغة الاستعمال الحية التي تتسم بالمرانة والعفوية.
ولكن النحويين في دراستهم للتراكيب اللغوية لم يعيروا أثر الاستعمال والانفعال في العبارة اهتماما ملحوظا وإنما حصروا أنفسهم، وقيدوا نظرتهم باللغة المنطقية وركزوا عنايتهم وصرفوا جلّ اهتمامهم إِلى مَنْطقة كل ما تأتي به لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال من استعمالات لا تقرها اللغة المنطقية (54) . فكان هناك فيض من التأويلات والتقديرات التي لا حاجة إِليها نظرا إِلى كون المعنى مفهوما بدونها، بل إِن هذه التأويلات قد تسيء إلى المعنى، بل قد تقضي عليه أحيانا، كل ذلك من أجل رد لغة الاستعمال واللغة الانفعالية إِلى اللغة المنطقية. قال السيوطي (55) ."وإنما يقدر النحوي ليعطي القواعد حقها، وإن كان المعنى مفهوما". وفي سبيل منطقة لغة الاستعمال كان حكمهم على الوصف أنه مبتدأ رافع المكتفىً به في الشواهد الشعرية الآتية:
أقاطنٌ قوم سلمى أم نووا ظعنا
إِن يظعنوا فعجيب عيش من قطنا (56)
وقوله:
خليلي ما واف بعهدي أنتما
إِذا لم تكونا لي على من أقاطع (57)
و قوله:
أمنجزٌ أنتم وعدا وثقت به
أم اقتفيتم جميعا نهج عرقوب (58)
و قوله:
أمر تجعٌ لي مثل أيام حنّة
وأيام ذي قار علي الرواجع (59)