الصفحة 194 من 205

ولكن إِعراب الجملة على هذا النحو يجعلنا نقف أمام إِشكال آخر هو عدم المطابقة الصرفية بين الوحدتين الصرفيتين اللتين تقومان بوظيفتي المبتدأ والخبر. ولكن هذا الإشكال من السهل تفسيره وتسويغه وذلك بالتمييز بين اللغة المنطقية ولغة الاستعمال، أي بين النظام والأداء، بين النحوية والمقبولية. فالمطابقة شرط لابد منه في اللغة المنطقية، أي في النظام، ومقتضيات النحوية، غير أن الأمر قد لا يكون بالضرورة كذلك في لغة الاستعمال، إِذ اللغة الإِنسانية ليست بناء منطقيا جامدا ولذلك تكون لغة الاستعمال المشحونة بالانفعال في نزاع مستمر مع اللغة المنطقية، وذلك لأنه بسبب خضوعها للتأثيرات الفردية تميل دائما إِلى الابتعاد عن المثل الأعلى الذي تحتذيه اللغة المنطقية المشتركة (50) . وعليه فهناك إِذا قوتان متقابلتان: قوة طرد عن المركز تمثله لغة الاستعمال، ولغة جذب نحو المركز تمثله اللغة المنطقية، وهما متميزتان إِحداهما من الأخرى لذلك فإِننا لا نستطيع أن نطبق التفكير المنطقي على اللغة دائما وبشكل صارم. إِن المثل المنطقي الأعلى للنحو هو أن يوجد لكل وظيفة عبارة واحدة فقط ولتحقيق هذا المثل يجب على اللغة أن تكون ثابتة ثبوت الجبر (51) . ولكن الجمل ليست رموزا جبرية، فالانفعالية لا تنفك تغلف عبارة الفكر المنطقية وتلونها. ولذلك ينبغي لنا أن لا نقصر اهتمامنا على الصورة التي تصاغ عليها الأفكار، وإِنما ينبغي لنا أن نأخذ في الاعتبار العلاقات التي توجد بين هذه الأفكار وحساسية المتكلم (52) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت