الصفحة 97 من 205

يقول تمام حسان:"إن اللغة العربية- وكل لغة أخرى في الوجود- تنظر إلى أمن اللبس باعتباره غاية لا يمكن التفريط فيها لأن اللغة الملبسة لا تصلح واسطة للإفهام والفهم وقد خلقت اللغات أساسا للإفهام وإن أعطاها النشاط الإنساني استعمالات أخرى فنية ونفسية (7) ."

فالمتكلم حين يقصد إفهام المخاطب رسالته اللغوية فإنه يرتبها على منوال لا يدع معه للبس مجالا حتى يدرك مقاصده ذلك الإدراك الذي يتوخاه، فالالتباس ممنوع أبدًا لمنافاته القصد من وضع اللغة،"وأما سهولة الفهم فشرط أولي وضروري أيضا بما أنه غاية اللغة ومطلب من مطالبها المقصودة بالذات وهو دليل على ارتقائها وارتقاء أهلها" (8) .

اللبس محذور:

هناك قاعدة كبرى في أصول الفقه الإسلامي تجعل"المصلحة"غاية، وتقابلها قاعدة كبرى في أصول النحو تجعل"الفائدة"هي الغاية وتلخص المصلحة في أصول الفقه عبارة"لا ضرر ولا ضرار"وتلخص الفائدة في أصول النحو عبارة صاغها تمام حسان في صورة مشابهة هي"لا خطأ ولا لبس" (9) .وقد وضعها ابن مالك في شطر بيت يقول:

وإنْ بشكلٍ خيفَ لبس يجتنب

لقد عقد السيوطي في الأشباه والنظائر فصلا تحت عنوان"اللبس محذور"تعرض فيه للأساس الذي هيكل نحاة العربية عليه قواعدهم وأسسوا بناء عليه تصوراتهم وتعليلاتهم لمباحث اللغة، فاللبس محذور عندهم، ولا ينبغي إلا أن يكون كذلك، ولهذا بحثوا الأشباه والنظائر التي يمكن أن يقع الخلط واللبس فيها، وتحدثوا عن اللبس في معظم أبواب الصرف والنحو والمعاني وهذه بعض النماذج:

* قال ابن فلاح في المغني:"إنما ضم حرف المضارعة في الرباعي دون غيره خيفة التباس الرباعي بزيادة الهمزة بالثلاثي نحو: ضرب يضرب، وأكرم يكرم، لأن الهمزة في الرباعي تزول مع حرف المضارعة، فلو فتح حرف المضارعة لم يعلم أمضارع الثلاثي هو أم مضارع الرباعي، ثم حمل بقية أبنية الرباعي على ما فيه الهمزة (10) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت