ولكن كم أرتنا الأيام من قال هجرا ، وتراه إذا ما دعوته إلى اللين يعبس ويبسر ، و يذهب مغاضبًا ، كأنما تدعوه إلى شيء نكر ، و إنما هي سذاجة نفسه نريد أن نقيه إياها ، وإنما هو تربص العدو نريد أن نبعده عنه ، بما عرفنا عن عدونا من قعوده للدعاة صراط أخوتهم المستقيم .
وهاؤم تفحصوا تاريخنا ، كم من منتصر لنفسه استعجل فخاصم ، فما استطاع من قيام وما كان منتصرًا ، و لفته دوامة العيش المعقد فضاع في خِضَمّها منسيًا ، يأكل و يشرب ، و ليس له من بعد ذلك نوع وجود .
إن جموع هؤلاء المغاضبين إنما تأخرت و ضاعت في تيار الدنيويات بما كانت بموازين الأخوة تخل ، ولو أنهم استقاموا على الطريقة الأولى وراغوا إلى فقه الأخوة الموروث ، لما مسّهم اللغوب و الضياع .
إن الفقه الذي ورثناه عن التابعي بكر بن عبد الله المزني ينص على إنك:"إذا وجدت من أخوانك جفاء فذلك لذنب أحدثتَه ، فتب إلى الله تعالى ، و إذا وجدت منهم زيادة محبة فذلك لطاعة أحدثتها فاشكر الله تعالى ) ."
فاتهم نفسك إذا عوملت بجفاء أو رأيت نوع تقصير في حقك الذي تظنه قبل أن تبادر بالهجوم .
إن هذه النصوص القديمة من فقه الأخوة الإيمانية ، يصوغها عبد الوهاب عزام في العصر الحديث في بيتين جامعين من مثانيه و يقول:
في فؤادي بحران: ملحٌ وعذب وبه صرصر وريح رخاء
فهو مُرّ على البغاة عصوف وهو عذب لصاحبي و صفاء (1)
فأنت مطالب أيها الداعية المسلم أن تملأ قلبك من مشاعر الأخوة في الله لإخوان العقيدة بقدر ما يجب أن تضع فيه من مقت أهل الباطل البغاة .
وحدة العبودية ، و تكاملها ، في أجزاء هذا الكون ، لله تعالى الذي خلقه: حقيقة يراها المتفكر ، إذا استطاع أن يفلت من الصخب الملهي و يتأمل في هدوء ورَوية .
(1) ديوان المثاني 38 .