ولئن توالى اليوم فراق الأحبة ووداع الرعيل الأول المتجرد المتواضع المؤسس للحركة الإسلامية المعاصرة ، لنبكيه مع هجمة المال بكاء أبي الدرداء ، أو بكاء سلمان الفارسي ، وفي رواية أخرى حذرًا وغربة ، حين افتقدا ، رضي الله عنهما ، حزب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن بكانا لا يحق له أن يهبط بنا إلى تأوهات تجاوزتها همتهما ، ولا بد لنا - مع بداية مرحلة جديدة تُرشِح دعوتنا لملء فراغ تركه فشل التطرفات القومية و الشيوعية - من ارتقاء درجات الاستدراك التربوي ، هامسين لكل داعية بمواعظ عمر ، لتعود لنفسه فتوتها و إقدامها ، وتطلعها الأخروي ، فإنه قد طال التجوال في البطالة ، و لربما حيَّر ، وامتد الركون إلى الاغترار و كأنه قد غيّر .
وكأن بالداعِ قد يبكي عليه اقربوهُ
و كأن القوم قد قاموا فقالوا: أدركوهُ
سائلوه ، كلموهُ حرّكوه ، لقنوهُ
حرِّفوه ، وجِّهوهُ مدِّدوه ، غمضوهُ
عجَّلوه لرحيلٍ عجّلوا لا تحبسوهُ
ارفعوه ، غسلوهُ كفِّنوه ، حنّطوهُ
فإذا ما لُفَّ في الأكفان قالوا: فاحملوهُ
أخرجوه فوق أعواد المنايا شيّعوهُ
فإذا صلوا عليه قيل: هاتوا و اقبروهُ
فإذا ما استودعوه الأرض رهنًا تركوهُ
خلّفوه تحت رمسٍ أو قروهُ ، أثقلوهُ
أَبعدوهُ ، أَسحَقوه أوحَدوه ، افردوهُ
ودّعوه ، فارقوه اسلَموه ، خلَّفوه
و انثنوا عنه و خلّوه كأن لم يعرفوهُ
لئن رأينا أبا الدرداء رضي الله عنه بعد فراقة حزب محمد صلى الله عليه وسلم باكيًا ، فإنه سرعان ما انقلب ضاحكًا ، ليقول: ( أضحكني: مؤمل الدنيا ، والموت يطلبه , وغافل ، ليس بمغفول عنه , و ضاحك بملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه ) (1)
(1) الزهد لابن المبارك 84/554