الصفحة 55 من 91

ولئن توالى اليوم فراق الأحبة ووداع الرعيل الأول المتجرد المتواضع المؤسس للحركة الإسلامية المعاصرة ، لنبكيه مع هجمة المال بكاء أبي الدرداء ، أو بكاء سلمان الفارسي ، وفي رواية أخرى حذرًا وغربة ، حين افتقدا ، رضي الله عنهما ، حزب محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن بكانا لا يحق له أن يهبط بنا إلى تأوهات تجاوزتها همتهما ، ولا بد لنا - مع بداية مرحلة جديدة تُرشِح دعوتنا لملء فراغ تركه فشل التطرفات القومية و الشيوعية - من ارتقاء درجات الاستدراك التربوي ، هامسين لكل داعية بمواعظ عمر ، لتعود لنفسه فتوتها و إقدامها ، وتطلعها الأخروي ، فإنه قد طال التجوال في البطالة ، و لربما حيَّر ، وامتد الركون إلى الاغترار و كأنه قد غيّر .

وكأن بالداعِ قد يبكي عليه اقربوهُ

و كأن القوم قد قاموا فقالوا: أدركوهُ

سائلوه ، كلموهُ حرّكوه ، لقنوهُ

حرِّفوه ، وجِّهوهُ مدِّدوه ، غمضوهُ

عجَّلوه لرحيلٍ عجّلوا لا تحبسوهُ

ارفعوه ، غسلوهُ كفِّنوه ، حنّطوهُ

فإذا ما لُفَّ في الأكفان قالوا: فاحملوهُ

أخرجوه فوق أعواد المنايا شيّعوهُ

فإذا صلوا عليه قيل: هاتوا و اقبروهُ

فإذا ما استودعوه الأرض رهنًا تركوهُ

خلّفوه تحت رمسٍ أو قروهُ ، أثقلوهُ

أَبعدوهُ ، أَسحَقوه أوحَدوه ، افردوهُ

ودّعوه ، فارقوه اسلَموه ، خلَّفوه

و انثنوا عنه و خلّوه كأن لم يعرفوهُ

لئن رأينا أبا الدرداء رضي الله عنه بعد فراقة حزب محمد صلى الله عليه وسلم باكيًا ، فإنه سرعان ما انقلب ضاحكًا ، ليقول: ( أضحكني: مؤمل الدنيا ، والموت يطلبه , وغافل ، ليس بمغفول عنه , و ضاحك بملء فيه ولا يدري أرضى الله أم أسخطه ) (1)

(1) الزهد لابن المبارك 84/554

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت