( لما استخلف عمر بن عبد العزيز رحمه الله بعث إليّ وأنا بالمدينة فقدمت عليه , فلما دخلت جعلت أنظر إليه نظرًا لا أصرف بصري عنه ، متعجبًا ، فقال: يا ابن كعب: إنك لتنظر إليَّ نظرًا ما كنتَ تنظره !
قلتُ: متعجبًا
قال: ما أعجبك ؟
قلت: يا أمير المؤمنين: أعجبني ما حال من لونك ، و نَحَلَ من جسمك و نفي من شَعرك .
فقال: كيف لو رأيتني بعد ثلاثة ، وقد دلّيتُ في حفرتي ، وسالت حدقتي على وجنتي ، و سال منخري صديدًا و دودًا ؟ ) (1)
فشاع خبره في الآفاق ، حتى إذا أرسل إلى أعيان الكوفة: بادروه مبادرة ، و جلبوا شاعرهم أعمش همدان معهم ، يعلن له قناعتهم و براءتهم من أمل يطاره عمر ، قد عرفوا جده في إجلائه عن دار الإسلام .
و ينطلق الأعمش بين يدي عمر:
و بينما المرءُ أمسى ناعمًا جذلًا في أهله معجبًا بالعيش ذا أنَقِ
غِرًّا ، أتيح له من حَينِهِ عَرَضِ فَمَا تَلبّثَ حتى مات كالصَّعِقِ
ثُمّتَ أضحى ضحى من غِبَّ ثالثة مُقنّعًا غير ذي روحٍ ولا رَمَقِ
يُبكي عليه و أَدنوهُ لمُظلِمَةٍ تُعلى جوانبها بالتُرب و الفِلَقِ
فما تَزَوَّدَ مما كان يَجمعُهُ إلا حَنوطًا و ما واراهُ مِن خِرَقِ
و غيرُ نَفْحَةِ أعوادٍ تُشَبُّ له وقلَّ ذلك من زادٍ لمُنطِلقِ
فتنهمر هاطلة دموع عمر ، وتختلط بأصوات نشغاته ، ليتجاوز تَرادّ صداها دهورًا تتعاقب ، يقود المربين المسلمين .
عودة إلى الرشد:
(1) الزاهد للإمام أحمد /295 .