الصفحة 47 من 91

ولا ريب في أن تجاوز مجرد الاستقراء ، وفهم الأمور معلَّلة مسبَّبة ، هو الوضع الأمثل ، المؤدي إلى الإيمان الأتم الأوفر ، وهو لما يُظن أنه من ظواهر التناقض أوجب ، و لذلك جاءت عقيدة الإسلام تُحلل وتُعلل ، ليحيا مَن حَيَّ عن بينة . ولذلك أيضًا حاولت الفلسفات أن تفهم محركات الحياة ، فقاربت كاقتراب سقراط من عقيدة التوحيد ، أو أبعدت ، كبعد جمهور المحاولين .

و بتفسيرات مَن شَرَحَ الكمال العقيدي الإسلامي ، أو من خلال محاوارات الفلاسفة في محاولاتهم الوصول إلى المثالية اتسع القول في القدر ، والجبر والاختيار ، وسر تردد النفس بين التقوى و الفجور ، و حكمة خلق الشيطان و القائه للنفوس حتى لتختار الضرر الواضح و تأتي بما لا يأتلف مع الفطرة ، و غَلَبَة أهل الشر أحيانًا مع كثرة إفسادهم وإرهاقهم للناس ، وكثرة محن أهل الخير وصدود الناس عنهم مع عظيم بذلهم ونفعهم للناس ، و أمثال هذا . و لكن حياة اليوم اكتنفها التعقيد المادي من كل أركانها ، وتركت كثيرًا من المسلمين - كشأن أغلب الناس - في زحمة من المتطلبات والحوائج تسلبهم التفرغ لتأمل ساكن يحللون فيه و يعللون .

و لذلك لم يعد هذا النظر التحليلي بممكن للجميع ، فضلًا عن أن يكون مفهومًا للجميع ، مع أن المسلم مطالب و مكلف - في الوقت نفسه - بأداء الواجب المفروض عليه في التأثير الخَّير في الحياة ، بالأمر بالمعروف ، و الدعوة إليه ، والنهي عن المنكر ، ملزم به إلزامًا ، مُضيّق عليه في الاعتذار إزاءه .

ومن هنا تفرض سرعة صراعنا الحاضر مع أشكال الكفر الجديدة أن نلجأ ، بسرعة توازيها ، إلى بساطة النظرات الواقعية ، لإسعاف المسلم القائم على ثغور هذا الصراع بقناعة و شجاعة تدعانه يلج دروب البذل التي تفرضها واجبا ت رقابته على العالمين ، أممًا و أفرادًا ، وأمره ونهيه ، مقومًا لهم ومُعدلًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت