فيقال: لا دَرَيت ولا تَلَيتَ .
ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنية ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) (1)
فيستيقظ الدود لتلك الصيحة ، ويهجم هجومه فيستسلم الرجل ويذعن ويأخذ يقول كأنه يستزيد:
ضعوا خدي على لحدي ضعوه و مِن عَفْر التراب فوسٍّدوه
وشُقوا عنه أكفانًا رقاقًا وفي الرمْس البعيد فغيّبوه
فلو أبصرتموهُ إذا تقضت صبيحة ثالثٍ: أنكرتموه
وقد مالت نواظرُ مقلتيه على وَجَناته ، فرفضتموه
فهنالك يكون السكون ، حيث تصفر الرياح على تلال هامدة واطئة ، فيصل صفيرُها إلى آذان أمهاتٍ ثكالى يخرجن ببلاهة يقودهن الصفير إلى قبور أبنائهن ، لتسأل كل واحدة منهن ابنها:
بأي خديك تَبدّى البلى و أي عينيك إذًا سالا ؟
فيجيبهن صوت بعيد ، من حيث القبر الأخير المنزوي:
لم تبق غير جماجم عَرِيتْ بيضٌ تلوح ، و أعظمُ نَخِره
و يثني آخر:
لا يدفعون هَوامًا عن وجوههم كأنهم خشب بالقاع منجَدِلُ
أو يرد صوت ثالث:
هجودٌ ولا غير التراب حَشية لجنبٍ ، ولا غير القبور قِبابُ
أو يخبرهن رابع:
قد أصبحوا في برزخ و محلة متراخية
ما بينهم متفاوت و قبورهم متدانية
فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل موحشين ، وذوي محلة متشاسعين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الإخوان . قد اقتربوا في المنازل ، وتشاغلوا عن التواصل حتى طحنهم بكلكَلِهِ البلى ، وأكلهم الثرى (2) .
وبينما هم كذلك إذ جاءهم من ليس هو بفضولي ، وعساه عند عمر بن عبد العزيز أو عنبسه أو القرظي يتدرب ، فيسألهم:
أين الوجوه التي كانت محجّبة من دونها تُضربُ الأستار و الكُلَلُ
(1) صحيح البخاري 2/108 .
(2) أسطر لبعض الزهاد .