الصفحة 58 من 91

فيقال: لا دَرَيت ولا تَلَيتَ .

ثم يضرب بمطرقة من حديد ضربة بين أذنية ، فيصيح صيحة يسمعها من يليه إلا الثقلين ) (1)

فيستيقظ الدود لتلك الصيحة ، ويهجم هجومه فيستسلم الرجل ويذعن ويأخذ يقول كأنه يستزيد:

ضعوا خدي على لحدي ضعوه و مِن عَفْر التراب فوسٍّدوه

وشُقوا عنه أكفانًا رقاقًا وفي الرمْس البعيد فغيّبوه

فلو أبصرتموهُ إذا تقضت صبيحة ثالثٍ: أنكرتموه

وقد مالت نواظرُ مقلتيه على وَجَناته ، فرفضتموه

فهنالك يكون السكون ، حيث تصفر الرياح على تلال هامدة واطئة ، فيصل صفيرُها إلى آذان أمهاتٍ ثكالى يخرجن ببلاهة يقودهن الصفير إلى قبور أبنائهن ، لتسأل كل واحدة منهن ابنها:

بأي خديك تَبدّى البلى و أي عينيك إذًا سالا ؟

فيجيبهن صوت بعيد ، من حيث القبر الأخير المنزوي:

لم تبق غير جماجم عَرِيتْ بيضٌ تلوح ، و أعظمُ نَخِره

و يثني آخر:

لا يدفعون هَوامًا عن وجوههم كأنهم خشب بالقاع منجَدِلُ

أو يرد صوت ثالث:

هجودٌ ولا غير التراب حَشية لجنبٍ ، ولا غير القبور قِبابُ

أو يخبرهن رابع:

قد أصبحوا في برزخ و محلة متراخية

ما بينهم متفاوت و قبورهم متدانية

فمحلها مقترب ، وساكنها مغترب ، بين أهل موحشين ، وذوي محلة متشاسعين ، لا يستأنسون بالعمران ، ولا يتواصلون تواصل الإخوان . قد اقتربوا في المنازل ، وتشاغلوا عن التواصل حتى طحنهم بكلكَلِهِ البلى ، وأكلهم الثرى (2) .

وبينما هم كذلك إذ جاءهم من ليس هو بفضولي ، وعساه عند عمر بن عبد العزيز أو عنبسه أو القرظي يتدرب ، فيسألهم:

أين الوجوه التي كانت محجّبة من دونها تُضربُ الأستار و الكُلَلُ

(1) صحيح البخاري 2/108 .

(2) أسطر لبعض الزهاد .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت