ومن ميل المتكلمين ونصرتهم لمذهبهم تقديمهم لطريقتهم على طريقة السلف، فيقولون: طريق السلف أسلم وأحوط، وطريقة المتكلمين أعلم وأحكم، فيجعلون المتأخرين من المتكلمين أحذق وأعلم من السلف، ويجعلون الفضل والعلم والبيان والتحقيق والمعرفة للمتكلمين، ويجعلون النقص والتقصير أو الخطأ والجهل للسلف، وأفضل أحوالهم التماس الأعذار للسلف في ادعائهم التقصير والتفريط منهم.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"ولا ريب أن هذا شعبة من الرفض فإنه وإن لم يكن تكفيرًا للسلف - كما يقوله من يقوله من الرافضة والخوارج - ولا تفسيقًا لهم - كما يقوله من يقوله من المعتزلة والزيدية وغيرهم - كان تجهيلًا لهم وتخطئة وتضليلًا، ونسبة لهم إلى الذنوب والمعاصي، وإن لم يكن فسقًا فزعمًا أن أهل القرون المفضولة في الشريعة أعلم وأفضل من أهل القرون الفاضلة."
ومن المعلوم بالضرورة لمن تدبر الكتاب والسنة، وما اتفق عليه أهل السنة والجماعة من جميع الطوائف: أن خير قرون هذه الأمة - في الأعمال والأقوال والاعتقاد وغيرها من كل فضيلة - أن خيرها: القرن الأول، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه، وأنهم أفضل من الخلف في كل فضيلة: من علم وعمل وإيمان وعقل ودين، وبيان وعبادة، وأنهم أولى بالبيان لكل مشكل. هذا لا يدفعه إلا من كابر المعلوم بالضرورة من دين الإسلام.
كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه:"من كان منكم مستنًا فليستن بمن مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". وقال غيره:"عليكم بآثار من سلف فإنهم جاءوا بما يكفي وما يشفي، ولم يحدث بعدهم خير كامن لم يعلموه"ا. هـ.
وقال:"وما أحسن ما قال الشافعي رحمه الله في رسالته: هم فوقنا في كل علم وعقل ودين وفضل، وكل سبب ينال به علم أو يدرك به هدى، ورأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا".ا. هـ.