فهرس الكتاب

الصفحة 199 من 233

ومن أقيستهم العقلية التي يلبسون بها على العوام قولهم: إنما مثل من يتكلم في هذه الفرعيات والأعداء محدقون بنا كمثل رجل قائم على الشاطئ، وشخص يعالج الأمواج يوشك أن يغرق وقد لبس خاتمًا من ذهب، فيهتف الأول بالثاني منكرًا عليه لبس خاتم الذهب غير مبال بالخطر المحدق به والذي يودي بحياته.

وجواب هذا أن يقال:

أنتم تقيسون فرعًا على أصل ليس بينهما أي تماثل، والأصل المقيس عليه حالة ضرورة، فلا شك يقدم دفع الضرر الأكبر الذي هو تلف النفس على المنكر الأصغر الذي هو لبس الرجل خاتمًا من ذهب، فكذا إذا دهمنا الأعداء ننفر جميعًا لمواجهتهم دون التفات إلى خلافات فرعية انشغالًا بالمنكر الأكبر. أما الفرع المقيس وهو وضع مجتمعاتنا في هذا الزمان فلا شك أنه في بلادنا - على الأقل - دون حالة الضرورة التي فيها تتلف الأنفس والأديان ويهلك الحرث والنسل، وينفر المسلمون نفيرًا عامًا بما فيها الشيوخ والنساء.

"وقد يستنكر هذا الكلام لأول وهلة، أو يساء الظن بقائله، ولكني آتي بالدليل عليه من واقع حياة المعترضين أنفسهم فأقول: هل واقع حياتكم مثل واقع رجل يلقي بنفسه في المخاضة ولا يلوي على شيء لينقذ غريقًا يصارع الأمواج ويوشك على الغرق؟ وهل هو واقع قوم أتاهم النذير ونودي فيهم بالنفير العام؟ لماذا إذن تحيون حياة رتيبة تتمتعون فيها بالحاجيات بل الكماليات والتحسينات، تطعمون الفواكه، وتتنعمون في الفرش، وتتنزهون في المتنزهات، وكل هذا لا ينكر عليكم ولا تستنكرونه من غيركم قائلين:"إن الإسلام مهدد في وجوده، والمسلمون مضطهدون، وأنتم تأكلون الفواكه وتتنعمون بالفرش وتتنزهون في المتنزهات". فلماذا إذن تضعون العوائق في طريق السنة، وتضربون لها الأمثال، وترهقون عقولكم في استخراج أمثال هذه التفاهات الدنيوية؟"

أفلا يردعكم عن هذا التثبيط قول أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه:"دعوا السنة تمضي، لا تعرضوا لها بالرأي".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت