ولا قول سفيان:"استوصوا بأهل السنة خيرا فإنهم غرباء". ولماذا لا تصرفون جهدكم إلى محاربة المعاندين للسنة المجادلين بغير الحق عن البدع؟
لقد ضرب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثلًا هو أصدق من قياساتكم الفاسدة حين قال: (مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة في البحر فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقال الذين في أعلاها: لا ندعكم تصعدون فتؤذوننا، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا) (1) . فالسكوت على المنكرات سواء في فروع أو أصول، ظاهر أو باطن، سبب من أسباب نزول العقوبات العامة وعموم الفتنة والعذاب. (2)
وقد يقال: إنما الأعمال بالنيات، والعبرة بصلاح القلب، فإن صلح صلح الجسد كله، وإن فسد فسد الجسد كله، فما دام القلب نيته سليمة، فلا يضر مع ذلك إغفال الظواهر وإهمال الشكليات، ومع إتيان الواجبات والأركان فلا بأس في ترك السنن والمندوبات.
والجواب:
أن العمل الصالح المقبول له شرطان:
أحدهما: ما ذكرتم من صلاح النية والقلب، فلا يكون العمل رياءًا ولا نفاقًا، ولا يكون في القلب إرادة غير الله، والتوجه لسواه. فإن سلم العمل من سوء النية وفساد القلب وكان العبد فيه مخلصًا لله قاصدًا به وجهه الكريم وحده، فقد تحقق الشرط الأول من شروط قبول العمل.
والشرط الثاني: موافقة العمل نفسه لشرع الله تبارك وتعالى. فيكون مطابقًا لهديه - صلى الله عليه وسلم - وإلا كان ابتداعًا في الدين، وتقربا لله بما لم يتقرب به إليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(1) - أخرجه البخاري وأحمد والترمذي من حديث النعمان بن بشير - رضي الله عنه -.
(2) - المرجع السابق: ص128 - 129.