ومما يجب أن يُعلم؛ أن البيعة تصح على كل طاعة من الطاعات وعبادة من العبادات، فالبيعة على الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والزكاة والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغير ذلك من شرائع الإسلام؛ صحيحة.
وقد ورد على كل ذلك الدليل:
البيعة على الإسلام والإيمان والجهاد:
عن مجاشع قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بأخي بعد الفتح قلت: يا رسول الله جئتك بأخي لتبايعه على الهجرة، قال صلى الله عليه وسلم: (ذهب أهل الهجرة بما فيها) ، فقلت: على أي شيء تبايعه؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أبايع على الإسلام والإيمان والجهاد) ، قال الراوي عن مجاشع: (فلقيت معبدا بعد - وكان أكبرهما - فسألته، فقال: صدق مجاشع) [4] .
البيعة على التوحيد وترك الشرك والصلاة وغيرها من العبادات:
فعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه - وكان شهد بدرا وهو أحد النقباء ليلة العقبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال - وحوله عصابة من أصحابه: (بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفي منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه) ، قال عبادة رضي الله عنه: (فبايعناه على ذلك) [5] .
البيعة على إقام الصلاة والنصح لكل مسلم:
فعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم) .
وعنه أيضا - يوم مات المغيرة بن شعبة - أنه قام فحمد الله وأثنى عليه، وقال: (عليكم باتقاء الله وحده لا شريك له والوقار والسكينة حتى يأتيكم أمير، فإنما يأتيكم الآن) ، ثم قال: (استعفوا لأميركم فإنه كان يحب العفو) ، ثم قال: (أما بعد، فإني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت:(أبايعك على الإسلام، فَشَرَطَ علي؛ والنصح لكل مسلم، فبايعته على هذا، ورب هذا المسجد إني لناصح لكم) ، ثم استغفر ونزل [6] .
وللحديث رواية أخرى عنه رضي الله عنه، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبايع فقلت: يا رسول الله ابسط يدك حتى أبايعك واشتَرِطْ عليَّ فأنت أعلم، قال صلى الله عليه وسلم: (أبايعك على أن تعبد الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتناصح المسلمين وتفارق المشركين) [7] .
البيعة على الجهاد في سبيل الله:
قال الله عز وجل: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة يأخذونها وكان الله عزيزا حكيما} ، وهذه البيعة هي بيعة الرضوان بالحديبية، وكانت على الصبر وعدم الفرار والثبات وإن قتلوا، فكان ثواب صدق النية فيها: {فأنزل السكينة عليهم} ، والسكينة هي الطمأنينة في موقف الحرب وغيره، فدل ذلك على أنهم أضمروا في قلوبهم أن لا يفروا فأعانهم على ذلك [8] ، وفوق ذلك؛ {وأثابهم فتحا قريبا ومغانم كثيرة} ، والآية دليل واضح على مشروعية البيعة على الجهاد والثبات فيه حتى الموت.
وعن أنس رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
(اللهم إن العيش عيش الآخره فاغفر للأنصار والمهاجرة) .
فقالوا مجيبين له:
(نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا) [9] .
البيعة على الثبات في الجهاد حتى الموت:
فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: بايعت النبي صلى الله عليه وسلم ثم عدلت إلى ظل الشجرة فلما خف الناس قال: (يا ابن الأكوع ألا تبايع؟) ، قلت: قد بايعت يا رسول الله، قال: (وأيضا) ، فبايعته الثانية، فقال الراوي عنه: يا أبا مسلم على أي شيء كنتم تبايعون يومئذ؟ قال: (على الموت) [10] .
وعن جابر رضي الله عنه قال: (كنا يوم الحديبية ألفا وأربع مائة فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر آخذ بيده تحت الشجرة - وهي سمرة - وبايعناه على أن لا نفر ولم نبايعه على الموت) [11] .
والظاهر - والله تعالى أعلم -؛ أن ألفاظ البيعة كانت تختلف من شخص إلى شخص، وإن كانت كلها بمعنى واحد، فعدم الفرار هو الثبات حتى الموت، وهو عين ما بايع عليه سلمة رضي الله عنه.
فعن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع قال: قلت لسلمة على أي شيء بايعتم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية؟ قال: (على الموت) [12] .
وقد صرح أئمتنا الأعلام - أخذا من هذه الأحاديث وغيرها -؛ أنه يشرع البيعة على كل طاعة.
فقد بوب البخاري رحمه الله على هذه الأحاديث: (باب: البيعة على إقام الصلاة والنصح لكل مسلم، والبيعة على إيتاء الزكاة) ، وبوب النسائي عليها: (باب: البيعة على فراق المشرك) ، وبوب ابن خزيمة على حديث جرير: (باب: بيعة الإمام الناس على إيتاء الزكاة) ، واستدل ابن حبان بالحديث على جواز البيعة على شرائط مخصوصة، فقال: (باب: بيعة الأئمة وما يستحب لهم، ذكر ما يستحب للإمام أخذ البيعة من الناس على شرائط معلومة) .
وقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم بعض الناس بيعات مخصوصة، فقد بايع بعض أصحابه على أن يقول الحق دائما، وأن لا يسأل الناس شيئا فوفوا بذلك، فكان السوط يقع من أحدهم فلا يقل لغيره ناولنيه.
فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: بايعني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وأوثقني سبعا وأشهد الله علي تسعا؛ أن لا أخاف في الله لومة لائم، فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟) ، قلت: نعم، وبسطت يدي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يشترط: (علي أن لا تسأل الناس شيئا) ، قلت: نعم، قال: (ولا سوطك إن يسقط منك حتى تنزل إليه فتأخذه) [13] .
[4] رواه بألفاظ متقاربة البخاري ومسلم وأحمد وأبو عوانة وابن أبي شيبة.
[5] رواه بهذا اللفظ البخاري والنسائي والبيهقي والحاكم وأبو عوانة والدارمي وروى قريبا منه مسلم وأحمد وابن خزيمة
[6] رواه البخاري ومسلم وابن خزيمة وابن حبان وأبو عوانة والطبراني.
[7] رواه النسائي وأحمد والبيهقي.
[8] فتح الباري: 6/ 118.
[9] رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن ماجة وابن أبي شيبة والبيهقي وأبو يعلى.
[10] رواه البخاري في كتاب المناقب (باب إسلام أبي ذر الغفاري) .
[11] رواه مسلم وروى أحمد قريبا منه.
[12] رواه مسلم والترمذي
[13] رواه أحمد.