الصفحة 9 من 9

وأما عن حكم ترك مقتضى هذه البيعة من السمع والطاعة والالتزام بما بايع عليه:

فهو حرام على كل من دخل في هذه البيعات والعهود والمواثيق على وجه العموم، وقد ورد في كثير من أدلة الشريعة ما يؤكد وجوب الوفاء بالعهود والبيعات الشرعية وحرمة نكثها، وأن نكث هذه العهود والمواثيق - أيا كانت - كبيرة من كبائر الذنوب.

ومن هذه الأدلة:

قوله تعالى: {ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله ... } ، إلى قوله تعالى: {والموفون بعهدهم إذا عاهدوا} ، فجعل الله تعالى الوفاء بهذه العهود والمواثيق من البر والإيمان.

وقال تعالى: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا} ، وهذا أمر بالوفاء بالعهد والميثاق.

وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} .

قال القرطبي في تفسيرها: (قال الزجاج: المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم على بعض، وهذا كله راجع إلى القول بالعموم وهو الصحيح في الباب، قال صلى الله عليه وسلم:"المؤمنون عند شروطهم") أهـ.

وقال تعالى: {وأفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون} ، وكان الناس في الجاهلية يحالف الرجل أو القبيلة قبيلة، فإذا وجد الرجل أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية، فأمرهم الله جل وعلا بالوفاء بالعهود، وحذرهم من نقضها.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذه الآية أثناء حديثه عن العهود بين التلاميذ ومعلميهم الذين يدربونهم على القتال، وأنه لا يجوز للتلميذ أن ينقض عهد أستاذه ويعاهد غيره، فقال: (كان المنتقل عن الأول إلى الثاني؛ باغيا ناقضا لعهده غير موثوق بعقده، وهذا أيضا حرام وإثم، هذا أعظم من إثم من لم يفعل مثل فعله، بل مثل هذا إذا انتقل إلى غير أستاذه وحالفه كان قد فعل حراما، فيكون مثل لحم الخنزير الميت، فإنه لا بعهد الله ورسوله أوفى ولا بعهد الأول، بل كان بمنزلة المتلاعب الذي لا عهد له، ولا دين له لا وفاء، وقد كانوا في الجاهلية يحالف الرجل قبيلة فإذا وجد أقوى منها نقض عهد الأولى وحالف الثانية وهو شبيه بحال هؤلاء فأنزل الله تعالى: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} ) .

إلى أن قال: (ومن حالف شخصا على أن يوالي من والاه ويعادي من عاداه كان من جنس التتر المجاهدين في سبيل الشيطان، ومثل هذا ليس من المجاهدين في سبيل الله تعالى، ولا من جند المسلمين، ولا يجوز أن يكون مثل هؤلاء من عسكر المسلمين، بل هؤلاء من عسكر الشيطان، ولكن يحسن أن يقول لتلميذه: عليك عهد الله وميثاقه أن توالي من والى الله ورسوله، وتعادي من عادى الله ورسوله، وتعاون على البر والتقوى ولا تعاون على الإثم والعدوان، وإذا كان الحق معي نصرت الحق، وإن كنت على الباطل، لم تنصر الباطل فمن التزم هذا كان من المجاهدين في سبيل الله تعالى، الذين يريدون أن يكون الدين كله لله وتكون كلمة الله هي العليا) [67] اهـ.

وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب الوفاء ببيعة الإمام الأعظم على وجه الخصوص لأهميتها.

فعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث طويل: (ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) [68] .

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أخبرني أبو سفيان أن هرقل قال له: (سألتك ماذا يأمركم - أي النبي صلى الله عليه وسلم - فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة) .

وهذه صفة نبي.

وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا الحديث وغيره في صحيحه عدة أبواب تتعلق بالعهد والوعد ووفائهما من ذلك: (باب؛ من أمر بإنجاز الوعد) ، و (باب؛ فضل الوفاء بالعهد) ، و (باب؛ ما يحذر من الغدر) ، و (باب؛ إثم من عاهد ثم غدر) .

وقد بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن من أعظم الإثم أن يعاهد الرجل أميرا فيوفي له ما دام في الوفاء مصلحة للمُبَايِع، وأما إن كان في البيعة ما ليس على هواه ومصلحة دنياه؛ لم يوف.

فقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم) ، فذكر منهم: (ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له) [69] ، وفي رواية أخرى للحديث: (ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخط) [70] .

وقد ورد في كثير من الأدلة أن نقض العهود والمواثيق من صفة المنافقين والفاسقين وفيه وعيد شديد:

قال تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون} ، وقال تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار} .

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهم كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر) [71] .

وقد قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله في شرح هذا الحديث: (والغدر حرام في كل عهد بين المسلم وغيره، ولو كان المعاهد كافرا، ولهذا في حديث عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم:"من قتل نفسا معاهدة بغير حقها لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاما" [خرجه البخاري] ، وقد أمر الله تعالى في كتابه بالوفاء بعهود المشركين إذا أقاموا على عهودهم ولم ينقضوا منها شيئا، وأما عهود المسلمين فيما بينهم؛ فالوفاء بها أشد ونقضها أعظم إثما ومن أعظمها عهد الإمام على من تابعه ورضي به، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم"، فذكر منهم:"ورجل بايع إمام لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه ما يريد وفى له وإلا لم يف له"، ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها وحرم الغدر في جميع عقود المسلمين فيما بينهم إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها، وكذلك ما يجب الوفاء به له عز وجل مما يعاهد العبد ربه عليه من نذر التبرر ونحوه) [72] .

مما سبق يتبين؛ أن الوفاء بالعهود والبيعات على الطاعة واجب لازم لا تجوز مخالفته، وإنما يحل الخروج عن مقتضى هذه البيعات والعهود في حالة ما إذا أُمر المكلف بمعصية؛ فلا يجوز له - فضلا عن أن يجب عليه - الطاعة والمتابعة في ذلك، وكذلك فإنه لا يلزم المكلف ما لم يستطع فعله حقيقة لا ادعاء، ففي هاتين الحالتين لا يجب على المكلف الالتزام بمقتضى البيعة والعهد، وقد مر ذكر الأدلة على هذا في السؤال الأول، وأما ما عدا ذلك فلا يحل الخروج عن مقتضى هذه البيعات والعهود.

والله تعالى أعلم

وهذا آخر ما نذكره في جواب السؤال.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

كتبه الفقير إلى عفو ربه ورحمته

أبو عمرو، عبد الحكيم حسان

[67] مجموع الفتاوى: 28/ 19 - 12.

[68] رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان وأبو عوانة.

[69] هذه الرواية عند البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والترمذي وأبو داود وابن ماجة والبيهقي وأبو عوانة.

[70] هذا لفظ البخاري والبيهقي.

[71] رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان وأبو عوانة والييهقي.

[72] راجع جامع العلوم والحكم: 376 - 377.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت