وأزيد هذا بيانا ببعض ما يؤثر عن الصحابة والسلف الصالح في جواز العهود والمواثيق على وجه العموم:
عن ابن عباس: أن أبا ذر لما بلغه مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قدم مكة، فرآه علي فعرف أنه غريب، فقال له علي: (ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟) ، قال أبو ذر: (إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدنني؛ فعلت) ، ففعل، فأخبره أبو ذر، قال علي: (فإنه حق، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم) [23] .
وفي استخلاف عمر رضي الله عنه ستة من الصحابة ليختاروا أحدهم، فتنازل ثلاثة وبقي عبد الرحمن بن عوف وعثمان وعلي، قال عمرو بن ميمون - راوي الحديث: فقال عبد الرحمن: (أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه؟) ، فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن: (أفتجعلونه إليَّ، والله عليَّ أن لا آلو عن أفضلكم؟) ، قالا: (نعم) ، فأخذ بيد أحدهما فقال: (لك قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن) ، ثم خلا بالآخر فقال مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: (ارفع يدك يا عثمان) ، فبايَعَه فبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه [24] .
والشاهد مما سبق؛ إقرار الصحابة وتعاملهم فيما بينهم بالعهود والمواثيق رضي الله عنهم أجمعين.
وقد أطلق نفر من الصحابة رضي الله عنهم لفظ"البيعة"على هذه العهود والمواثيق.
فمن ذلك:
ما صنعه عكرمة بن أبي جهل يوم اليرموك.
قال ابن كثير: (وقال سيف بن عمر عن أبي عثمان الغساني عن أبيه، قال: قال عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه يوم اليرموك: قاتلت رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواطن وأفر منكم اليوم؟ ثم نادى: من يبايع على الموت؟ فبايعه عمه الحارث بن هشام، وضرار بن الأزور في أربعمائة من وجوه المسلمين وفرسانهم، فقاتلوا قدام فسطاط خالد حتى أثبتوا جميعا جراحا، وقتل منهم خلق، منهم ضرار بن الأزور رضي الله عنهم، وقد ذكر الواقدي وغيره أنهم لما صرعوا من الجراح استقوا ماء فجيء إليهم بشربة ماء فلما قربت إلى أحدهم نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فلما دفعت إليه نظر إليه الآخر فقال: ادفعها إليه، فتدافعوها كلهم من واحد إلى واحد حتى ماتوا جميعا لم يشربها أحد منهم، رضي الله عنهم أجمعين) [25] .
وقال ابن كثير: (قال سيف بن عمر إسناده عن شيوخه: إنهم قالوا كان في ذلك الجمع جيش المسلمين باليرموك ألف رجل من الصحابة منهم مائة من أهل بدر) [26] .
فهذه بيعة بين رجل ليس هو أمير الجيش وبين طائفة من الجند على طاعة من الطاعات، وهو عكرمة الصحابي الجليل، وكان فيمن بايعه صحابه أجلاء، وحدث هذا أمام خالد بن الوليد - وهو أمير الجند - وكما نقل ابن كثير؛ فقد حضر الواقعة ألف صحابي، ولم ينقل إنكار أحد منهم على عكرمة فعله هذا، فحدوث مثل هذه البيعة بمحضر من هذا الجمع؛ دليل على إقرارهم لذلك.
وفي صفين، في الحرب بين علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما، كان على مقدمة جيش علي - أهل العراق - قيس بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما.
وأخرج الطبري بسند صحيح عن يونس بن زيد عن الزهري، قال: (جعل علي على مقدمة أهل العراق قيس بن سعد بن عبادة، وكانوا أربعين ألفا بايعوه على الموت) [27] .
وقيس رضي الله عنهما لم يكن الأمير العام للجند ولا خليفة المسلمين، بل أمير طائفة من الجند، ويدل هذا أيضا أن مثل هذه العهود والمواثيق تسمى بيعة، وهي جائزة بين المسلمين على فعل الطاعات.
مبايعة أهل الكوفة للحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما سنة 61 هـ للخروج على خليفة هذا الوقت يزيد بن معاوية، وقد أرسل الحسين ابن عمه مسلما بن عقيل لأخذ البيعة له، فبايعه ثمانية عشر ألفا [28] .
مبايعة أهل المدينة للصحابي عبد الله بن حنظلة سنة 63 هـ للخروج على يزيد بن معاوية.
طلب عبد الله بن الزبير الصحابي البيعة لنفسه بعد موت يزيد بن معاوية، وقد بايعه جميع الأمصار، إلا الأردن ومن بها من بني أمية، وعلى رأسهم مروان بن الحكم، فبايعوا مروان وحاربوا أهل الشام ثم مصر ثم العراق إلى أن انتهى الأمر بمقتل ابن الزبير سنة 73 هـ، وقد سمى ابن الزبير بأمير المؤمنين ودامت خلافته من سنة 64 هـ إلى سنة 73 هـ [29] .
وذكر ابن كثير أن أهل دمشق لما مات خليفة الوقت معاوية بن يزيد سنة 64 هـ؛ بايعوا الضحاك بن قيس على أن يصلح بينهم ويقيم لهم أمرهم حتى يجتمع الناس على إمام [30] .
وذكر ابن كثير في أحداث سنة 64 هـ قال: (وفيها اجتمع ملأ الشيعة على سليمان بن صرد - وهو صحابي جليل كما قال ابن كثير - بالكوفة، وتواعدوا النخيلة ليأخذوا بثأر الحسين بن علي بن أبي طالب ... ) ، إلى أن قال: (فاجتمعوا كلهم بعد خطب ومواعظ على تأمير سليمان بن صرد عليهم، فتعاهدوا وتعاقدوا وتواعدوا النخيلة) [31] .
وذكر ابن كثير رحمه الله خروج عبد الرحمن بن الأشعث على الحجاج الثقفي على الخليفة عبد الملك بن مروان [81 - 82 هـ] ، وكان ابن الأشعث على رأس جيش للحجاج بفارس، فنقم منه أمورا، قال ابن الأشعث لمن معه: (اخلعوا عدو الله الحجاج -ولم يذكر خلع عبد الملك - وبايعوا لأميركم عبد الرحمن بن الأشعث فإني أشهدكم أني أول خالع للحجاج) ، فقال الناس من كل جانب: (خلعنا عدو الله الحجاج) ، ووثبوا إلى عبد الرحمن بن الأشعث فبايعوه عوضا عن الحجاج، ولم يذكروا خلع عبد الملك بن مروان ... ).
إلى أن قال: ( ... فلما توسطوا الطريق قالوا: إن خلعنا للحجاج خلع لابن مروان فخلعوهما وجددوا البيعة لابن الأشعث، فبايعهم على كتاب الله وسنة رسوله وخلع أئمة الضلالة وجهاد الملحدين) .
وقال ابن كثير: (ووافقه على خلعهما جميع من في البصرة من الفقهاء والقراء والشيوخ والشباب) .
وقال ابن كثير: (وجعل الناس يلتفون على ابن الأشعث من كل جانب، حتى قيل إنه سار معه ثلاثة وثلاثون ألف فارس ومائة وعشرون ألف راجل، ودخل ابن الأشعث الكوفة فبايعه أهلها على خلع الحجاج وعبد الملك بن مروان) .
وقال ابن كثير: (وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء ومعهم مثلهم من مواليهم) .
وقال ابن كثير: (وجعل ابن الأشعث على كتيبة القراء العلماء؛ جبلة بن زحر، وكان فيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الرحمن بن أبي ليلي وكميل بن زياد وكان شجاعا فاتكا على كبر سنه، وأبو البختري الطائي وغيرهم، ومما قاله الشعبي: قاتلوهم على جورهم واستذلالهم الضعفاء وإماتتهم الصلاة) [32] .
خروج زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب سنة 121 هـ على خليفة الوقت هشام بن عبد الملك، وزيد هو الذي تنسب إليه طائفة الزيدية من الشيعة، قال ابن كثير: (بايعه على ذلك أربعون ألفا من أهل الكوفة) [33] .
خروج يزيد بن الوليد على ابن عمه خليفة الوقت الوليد بن يزيد بن عبد الملك سنة 126 هـ:
قال ابن كثير: (وقد ذكرنا بعض أمر الوليد بن يزيد وخلاعته ومجانته وفسقه وما ذكر عن تهاونه بالصلوات واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته وبعدها، فإنه لم يزدد في الخلافة إلا شرا، فقام يزيد بن الوليد في خلعه وبايعه الناس على ذلك، وكثرت الجيوش حوله كلهم قد بايعه بالخلافة، وطلب الوليد بن يزيد فقتله) [34] .
بيعة معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب:
قال ابن كثير: (وفي هذه السنة 127 هـ خرج بالكوفة معاوية بن عبد الله، فدعا إلى نفسه وخرج إلى محاربة أمير العراق عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فجرت بينهما حروب يطول ذكرها) [35] .
بيعة محمد النفس الزكية وخروجه على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور سنة 145 هـ:
قال ابن كثير:(ثم دخلت سنة 145 هـ فمما كان فيها من الأحداث مخرج محمد بن عبد الله بن حسن
النفس الزكية - بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة).
وقال ابن كثير: (وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها، فصلى بالناس الصبح وقرأ سورة: {إنا فتحنا لك فتحا مبينا} ، وأسفرت هذه الليلة عن مستهل رجب من هذه السنة، وقد خطب محمد بن عبد الله أهل المدينة في هذا اليوم، فتكلم في بني العباس وذكر عنهم أشياء ذمهم بها، وأخبرهم أنه لم ينزل بلدا من البلدان إلا وقد بايعوه على السمع والطاعة، فبايعه أهل المدينة كلهم إلا القليل، وقد روي ابن جرير عن الإمام مالك أنه أفتى بمبايعته، فقيل له فإن في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة، فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته) .
وقال ابن كثير: (إن أبا جعفر المنصور الخليفة كتب إليه قال: فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، إن أنت رجعت إلى الطاعة لأؤمننك ومن اتبعك) .
وقال ابن كثير: (إنه لما أرسل المنصور جيشه لقتال محمد، صعد محمد بن عبد الله على المنبر فخطب الناس وحثهم على الجهاد وكانوا قريبا من مائة ألف) [36] .
بيعة إبراهيم بن عبد الله بن حسن - أخي محمد النفس الزكية - وكان يدعو في السر إلى أخيه، فلما قتل أخوه - محمد النفس الزكية، 145 هـ - أظهر الدعوة إلى نفسه، وقدم البصرة وبايعه فئام من الناس، وجعل الناس يقصدون من كل فج لمبايعته، ودانت له البصرة والأهواز وفارس والمدائن وأرض السواد، وخرج من البصرة في مائة ألف مقاتل قاصدا الكوفة لقتال جيش الخليفة أبي جعفر المنصور [37] .
وقال ابن كثير عن محمد وأخيه إبراهيم: (قد حكي عن جماعة من العلماء والأئمة أنهم مالوا إلى ظهورهما) [38] .
وممن مال إلي ظهور محمد؛ الإمام مالك بالمدينة - كما سبق - وممن مال إلى ظهور إبراهيم؛ الإمام أبو حنيفة وشعبة بن الحجاج وهشيم - وكلاهما من أئمة الحديث -
بيعة أحمد بن نصر الخزاعي سنة 231 هـ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عموما، ثم مبايعته للخروج على الخليفة الواثق لفسقه وبدعته:
قال ابن كثير: (ثم دخلت سنة 231 هـ، وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي رحمه الله وأكرم مثواه ... ) .
إلى قوله: (وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهي حين كثرت الشطار والدُّعار في غيبة المأمون عن بغداد - كما تقدم ذلك - وبه تعرف"سويقة نصر"ببغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، ويدعو إليه ليلا ونهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن، فقام أحمد بن نصر يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها، فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الألوف أعداد وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان، وهما أبو هارون السراج يدعو الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي، فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها) [39] .
فهذه البيعات التي ذكرناها والتي كان يدخل فيها ألوف الناس، والتي استحسنها كثير من التابعين ودخلوا فيها، وحرض الناس عليها الإمامان مالك وأبو حنيفة؛ تدل دلالة واضحة على جواز مثلها، وأن القول بها هو مذهب سلف هذه الأمة فلا يُلتفت إلى من خالف في ذلك من المحدثين.
وهذه البيعات التي ذكرتها آنفا مختلفة المقاصد:
منها: بيعات على الجهاد والاستشهاد، كمبايعة عكرمة بن أبي جهل وقيس بن سعد لمن معهما وهما صحابيان رضي الله عنهما.
ومنها: بيعات على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كمبايعة أهل المدينة لأمرائهم في وقعة الحرة، وبيعة سليمان بن صرد، وبيعة أحمد بن نصر الخزاعي.
ومنها: بيعات على القيام بأمر طائفة من المسلمين حتى يظهر خليفة، كمبايعة أهل دمشق للضحاك بن قيس.
ومنها: بيعات على المنازعة في الخلافة خروجا على أئمة الجور، كبيعات الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير وابن الأشعث وزيد بن علي ويزيد بن الوليد ومعاوية بن عبد الله بن جعفر ومحمد النفس الزكية وأخيه إبراهيم.
[23] رواه البخاري حديث: 3861.
[24] رواه البخاري في كتاب فضائل الصحابة (باب قصة البيعة والاتفاق على عثمان بن عفان) حديث: 2700.
[25] البداية والنهاية: 7/ 11 - 12.
[26] البداية والنهاية: 7/ 9.
[27] فتح الباري: 13/ 63.
[28] انظر البداية والنهاية: 8/ 152 وما بعدها.
[29] فتح الباري: 13/ 69، 194، والبداية والنهاية: 8/ 238 وما بعدها.
[30] البداية والنهاية: 8/ 239.
[31] البداية والنهاية: 8/ 247.
[32] البداية والنهاية: 9/ 35: 42.
[33] البداية والنهاية: 9/ 327.
[34] البداية والنهاية: 10/ 8 - 11.
[35] البداية والنهاية: 10/ 25.
[36] البداية والنهاية: 10/ 82 - 90.
[37] البداية والنهاية: 10/ 91 - 94.
[38] البداية والنهاية: 10/ 95.
[39] البداية والنهاية: 10/ 303 - 304.