الصفحة 6 من 9

ومن المعلوم أن البيعة لا تكون إلا إذا كانت على شرط الحكم بالكتاب والسنة وأن لا تكون على معصية الله ورسوله، وفيما يستطيعه الإنسان:

فعن علي رضي الله عنه، قال: (بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فاستعمل رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب فقال: أليس أمركم النبي صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني؟ قالوا: بلى، قال: فاجمعوا لي حطبا، فجمعوا، فقال: أوقدوا نارا، فأوقدوها، فقال: ادخلوها، فهموا وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: فررنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من النار، فما زالوا حتى خمدت النار، فسكن غضبه، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف) [40] .

وعن عبد الله بن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [41] .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليك السمع والطاعة في عسرك ويسرك ومنشطك ومكرهك وأثرة عليك) [42] .

فلا يطاع الأمير في المعصية ولكن لا يُخرَجُ عليه، والصبر عليه مع نصحه وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر؛ هو الواجب حينئذ والهدي السديد الذي يجب التزامه، جمعا بين الأدلة الواردة في هذا الباب.

مثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية) [43] .

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها) ، قالوا: يا رسول الله كيف تأمر من أدرك منا ذلك؟ قال صلى الله عليه وسلم: (تؤدون الحق الذي عليكم، وتسألون الله الذي لكم) [44] .

وهذا كله مقيد بما إذا وقع الأمير في الكفر الصريح الذي دلت عليه الأدلة.

وذلك ظاهر فيما رواه جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت رضي الله عنه وهو مريض، فقلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (دعانا النبي صلى الله عليه وسلم فبايعناه فقال فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا - وفي رواية في المنشط والمكره - وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله؛ إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان) [45] .

وهذا هو مقتضى قوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان} ، والله تعالى أعلم.

وأما الاستطاعة من جهة المأمور؛ فالمقصود بها أنه لا يلزم المأمور طاعة أميره فيما لا يستطيعه، ومدار أحكام الشريعة كلها على الاستطاعة، والله تعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يكلف الإنسان شيئا لا يستطيع أداءه، قال تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم) [46] .

والاستطاعة من عدمها؛ أمر يعلمه الله تعالى من عبده، فإن قصر العبد في الطاعة مدعيا عدم الاستطاعة فإن الله تعالى يحاسبه على ذلك، فإن كان كاذبا فالله مطلع عليه ومجازيه عليه.

ويدل على ذلك أيضا ما رواه ابن عمر رضي الله عنهما حيث قال: كنا إذا بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، يقول لنا: (فيما استطعتم) [47] .

وما رواه أيضا جرير بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، فلقنني: (فيما استطعت، والنصح لكل مسلم) [48] .

وعن عبد الله بن دينار قال: لما بايع الناس عبد الملك ابن مروان، كتب إليه عبد الله بن عمر: (إلى عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين، إني أقر بالسمع والطاعة لعبد الملك أمير المؤمنين، على سنة الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فيما استطعت، وإن بني أقروا بذلك) [49] .

وهذا المعنى الذي ذكرناه واضح في كثير من الأدلة.

ولذلك قال ابن حجر رحمه الله: (والأصل في مبايعة الإمام؛ أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر بالمعروف وينهي عن المنكر) [50] .

[40] رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي وأبو داود والبيهقي عن علي رضي الله عنه.

[41] سبق تخريجه.

[42] رواه مسلم والنسائي وأحمد والترمذي وابن حبان والبيهقي والطبراني وأبو عوانة.

[43] رواه بهذا اللفظ البخاري ومسلم وأحمد وأبو يعلى والدارمي.

[44] رواه البخاري ومسلم والنسائي وأحمد وابن حبان وأبو عوانة والبزار.

[45] رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان وابن ماجة والبيهقي وأبو عوانة.

[46] رواه البخاري ومسلم وأحمد وابن حبان والطبراني والبيهقي وأبو يعلى.

[47] رواه البخاري وأحمد والنسائي والترمذي وابن ماجة وابن حبان والبيهقي وأبو عوانة.

[48] رواه البخاري ومسلم وأحمد والنسائي والبيهقي والطبراني.

[49] رواه البخاري ومسلم والبيهقي وعبد الرزاق.

[50] فتح الباري: 13/ 203.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت