الصفحة 8 من 9

فائدة هامة في الفرق بين البيعات الخاصة أو المؤقتة وبيعة الإمام الأعظم - خليفة المسلمين:

يخلط بعض الناس بين البيعة الواجبة لأمير المؤمنين المُمَكَّن والذي رضيه أهل الحل والعقد أو تولى على الناس بطريقة صحيحة، وبين البيعات الخاصة لأمراء جماعات الجهاد مثلا، مع أن هناك فروقا جوهرية بينهما.

نذكر أهمها على وجه الاختصار:

1)العاقد للبيعة:

بيعة إمام المسلمين يعقدها أهل الحل والعقد، أو الخليفة السابق بعهد منه، أو يختاره جمهور الناس ولا يرضوا عنه بديلا، إلا إذا غلبهم أحد بالسيف.

أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات؛ فلا تفتقر إلى هذا الاختيار من أهل الحل والعقد أو اتفاق جمهور الناس، فللعامة أن يتعاهدوا فيما بينهم على فعل الطاعات - كما بينا سابقا - فلا يجوز تسمية من يختاره بعض الناس أميرا عليهم للقيام بطاعة من الطاعات خليفة أو أميرا للمؤمنين، ولا أن يُعطى ما لأمير المؤمنين أو الخليفة من الحقوق ولا أن يُنزل منزلته.

2)المُبَايَع له - الأمير:

في بيعة الإمامة يجب أن يكون المُبَايَعُ له مستوفيا لشرائط الإمامة [55] ؛ من قرشية وغيرها، وقد تستثنى بعض الشروط لمن غلب بالقهر.

أما في بيعات الناس وعهودهم على الطاعات؛ فلا تلزم هذه الشروط، لأنها بيعات خاصة، فقد يبايع الناس من ليس بقرشي ولا مجتهد ولا حر، وهذا أيضا مستفاد مما ذكرناه من الأدلة سابقا.

3)المُبَايَع عليه:

بيعة الإمامة تلزم الإمام بواجبات، هي في مجملها تطبيق أحكام الإسلام على وجه العموم، والسهر على مصالح الأمة [56] ، وتلزم هذه البيعة كل أفراد الأمة بالسمع والطاعة للإمام ونصرته، ما لم يتغير حاله بما يوجب سقوط بيعته.

أما بيعات الناس وعهودهم؛ فلهم أن يتعاهدوا على فعل أي طاعة من الطاعات - كالجهاد أو الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو إغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وهكذا - فلا يُشترط لصحة هذه البيعات أن تكون على إقامة أحكام الإسلام كلها، وهذا أيضا قد سبق بيانه فيما سقناه من أدلة.

4)الوجوب والإلزام:

بيعة إمام المسلمين؛ واجبة على كل مسلم، لا يسع أحد التنصل منها أو الخروج عليها البتة.

لحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول) [57] ، فأمر بالوفاء ببيعتهم.

وذم من لم يبايع في قوله صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) [58] .

وأمر بلزوم هذه البيعة في قوله صلى الله عليه وسلم: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) [59] .

وقد قال أحمد بن حنبل: (ومن غلبهم بالسيف حتى صار خليفة وسمي أمير المؤمنين، لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماما عليه، برا كان أو فاجرا، فهو أمير المؤمنين) [60] .

أما بيعات الناس وعهودهم على الطاعات؛ فلا تجب إلا على من دخل فيها برضاه، فتجب عليه بالعهد الذي ألزم به نفسه، كأن يتعاهد اثنان على حفظ القرآن أو بعضه، فحفظ القرآن ليس بواجب على كل مسلم من حيث الأصل، أما إذا عاهد غيره عليه فقد وجب عليه الحفظ بالعهد لا بالأصل.

5)المدة:

بيعة الإمام دائمة لا تنقطع إلا إذا مات الإمام أو طرأ عليه سبب يوجب العزل من نقص في الدين أو نقص مؤثر في البدن [61] .

أما بيعات الناس وعهودهم؛ فيمكن أن تؤقت بأجل أو عمل، فلهم الاختيار في قدر مدتها ونوعها بخلاف بيعة الإمام.

6)التعدد:

لا يصح أن تعقد الإمامة لإمامين للمسلمين.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فوا ببعية الأول فالأول) .

وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) [62] .

فلا يصح تعدد الأئمة ولا يصح أن يعطي المسلم بيعتين لإمامين.

أما بيعات الناس وعهودهم؛ فيجوز فيها التعدد إذا احتمل المُبَايَع عليه التعدد، فيجوز للفرد أن يعاهد طائفة على حفظ القرآن، ويجوز لنفس الفرد أن يعاهد طائفة أخرى على حفظ حديث النبي صلى الله عليه وسلم ... وهكذا، طالما كان في قدرته الوفاء بكل هذا، أما ما لا يحتمل التعدد فلا يصح أن يعاهد أكثر من طائفة.

ولا يصح أن تتعدد الطوائف العاملة في الجهاد - مثلا - لأن الجهاد لا يقوم إلا بالشوكة التي هي ثمرة الاجتماع والموالاة، والتعدد ينافي الاجتماع المقصود والموالاة التي تحقق القوة والشوكة، بل قد يؤدي هذا التعدد إلى ذهاب الشوكة، قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا} ، كما أن التعدد يؤدي في كثير من الأحيان إلى إضرار كل طائفة بالأخرى لتعارض الخطط وانعدام التنسيق، فقد تقوم طائفة بعمل عسكري يؤدي إلى أن يوجه العدو ضربة لطائفة أخرى غير مهيأة للمواجهة، وكل هذا من سيئات التعدد.

7)أحاديث البيعة:

الأحاديث التي ورد فيها ذكر البيعة المطلقة؛ يجب أن تحمل جميعها على بيعة إمام المسلمين - الخليفة أو أمير المؤمنين أو السلطان الأعظم - هذا باستثناء ما وقع من بيعات خاصة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبعض صحابته - كما سبق بيانه - وقد ثبت هذا باستقراء الأدلة الواردة في هذا الباب، ولا يصح حمل هذه الأحاديث بحال من الأحوال على عهود الجماعات، وإن سموا عهودهم بيعات.

والأحاديث التي ورد فيها ذكر البيعة؛ وردت إما مقيدة ببيعة الإمام، وإما مطلقة دون ذكر الإمام، فالواجب حمل المطلق على المقيد خاصة إذا اتحد الحكم والسبب عند جمهور أهل العلم.

فمن الأحاديث التي وردت بها البيعة مقيدة بالإمام:

قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: فوا ببيعة الأول فالأول) .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما) .

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر) .

أما الأحاديث التي ورد بها ذكر البيعة مطلقة؛ فأهمها حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) .

والذي دعا إلى القول بأن هذه البيعة هي بيعة إمام المسلمين وإن وردت مطلقة، هو حديث ابن عباس مرفوعا: (من كره من أميره شيئا فليصبر، فإن من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) .

والخروج من السلطان؛ هو السعي في نقض بيعته، فاتحد السبب في الحديثين: حديث ابن عمر وحديث ابن عباس؛ وهو الخروج من بيعة السلطان أو ترك مبايعته بعد اتفاق الناس عليه، واتحد الحكم في الحديثين؛ وهو الميتة الجاهلية لفاعل هذا، فوجب لذلك حمل المطلق - حديث ابن عمر - على المقيد - حديث ابن عباس - وأن البيعة المقصودة في حديث ابن عمر هي بيعة إمام المسلمين إن وجد، لأن حديث ابن عباس ذكر أن هذا حكم من خرج على السلطان، فالحديث يقتضي وجود سلطان قد خُرِج عليه.

وحديث ابن عباس السابق ورد له رواية بلفظ: (فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية) ، وفي الرواية الأخرى: (فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية) ، فكلمة"الجماعة"في الرواية الثانية؛ معناها جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان، وليس المراد بها أي جماعة، فالجماعة المراد بها اجتماع الناس على السلطان.

ويؤيد هذا الفهم حديث عرفجة عند مسلم فيمن يخرج على إمام المسلمين، فوصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه يشق عصا المسلمين ويفرق جماعتهم، وهذا معناه أن الخروج على السلطان؛ هو الخروج على جماعة المسلمين.

فعن عرفجة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إنه ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهى جميع فاضربوه بالسيف كائنا من كان) .

وأوضح من هذا الرواية الأخرى عن عرفجة أيضا؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه) .

و"اللام"في لفظ الجماعة للعهد وليست للجنس، أي أن هذا الوعيد في الحديث في حق من خرج على جماعة معينة وليس أي جماعة، والقرينة التي وردت في سياق الحديث ترجح هذا، وهي قوله صلى الله عليه وسلم: (من رأي من أميره شيئا يكرهه فليصبر) ، فالجماعة المرادة هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان، كما في حديث حذيفة: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) .

ومن أوضح النصوص في هذا الشأن؛ ما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: (من خرج من الطاعة وفارق الجماعة ثم مات، مات ميتة جاهلية) ، وفي الرواية الأخرى للحديث: (فكأنما خلع ربقة الإسلام من عنقه) [63] .

قال العلماء: (قوله:"من الطاعة"؛ أي طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه،"وفارق الجماعة"؛ أي خرج عن الجماعة الذين اتفقوا على طاعة إمام انتظم به شملهم واجتمعت به كلمتهم وحاطهم عن عدوهم) [64] اهـ.

وقال ابن حجر رحمه الله: (والمراد بالجماعة: جماعة المسلمين، أي فارقهم أو تركهم بالارتداد، فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة) [65] .

ويقول المباركفوري في شرح المقصود بهذه اللفظ: (يقول؛ من خرج من طاعة إمام الجماعة أو فارقهم في الأمر المجتمع عليه؛ فقد ضل وهلك) [66] .

والمقصد مما سبق؛ ألا تضع جماعة من الجماعات الإسلامية هذا الحديث في غير موضعه، فتصف من خرج عليها بأنه خرج عن جماعة المسلمين وهو مستحق للقتل، وإذا مات فإنه يموت ميتة جاهلية، فهذا وضع للنصوص في غير موضعها، والجماعة في هذا الحديث هي جماعة المسلمين التي في طاعة السلطان الشرعي، وليست أي جماعة، هذا الذي يظهر من نصوص كلام أهل العلم في شرح هذه الأحاديث، وإلا فقد تدعي كل جماعة ما تدعيه الأخرى من أنها الجماعة المعنية بهذه الأحاديث، فيضطرب الحال وتحدث الفتنة.

ولذلك يمكن القول؛ بأن كل من ترك دينه - كالمرتد - فقد فارق جماعة المسلمين بردته وخروجه عن دينهم الذي هم عليه، وليس كل من فارق الجماعة فيما هم عليه فهو تارك لدينه - كالباغي على جماعة المسلمين - فقد سماه الله مؤمنا في قوله تعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بعت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله} ، فقد سمى الله كلا من الطائفتين مؤمنتين مع وجود الاقتتال بينهما والبغي من أحدهما.

[55] قد ذكرنا بفضل الله تعالى مختصرا لهذه الشروظ في مبحثنا الخاص بأصناف الحكام وأحكامهم فليراجعها هناك من أراد التفصيل.

[56] قد عقدنا بفضل الله تعالى فصلا في الواجبات المنوطة بالإمام والتي يجب عليه القيام بها في المبحث السابق قلتراجع هناك.

[57] رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبوعوانة عن أبي هريرة.

[58] رواه مسلم والبيهقي والطبراني وابن أبي عاصم عن ابن عمر رضي الله عنهما.

[59] رواه البخاري ومسلم وابن ماجة والبيهقي وأبو عوانة والحاكم كلهم عن حذيفة.

[60] الأحكام السلطانية لأبي يعلى: 20 - 23.

[61] انظر مسببات العزل بالأحكام السلطانية للماوردي: 17 - 20.

[62] رواه مسلم وأحمد والبيهقي وأبو عوانة والطبراني عن أبي سعيد الخدري.

[63] رواه بهذا اللفظ الترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه من حديث الحرث بن الحرث الأشعري.

[64] سبل السلام: 3/ 1228، باب (قتال أهل البغي) .

[65] فتح الباري: 12/ 201 - 202.

[66] عون المعبود: 13/ 73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت