ومما يجب أن يُعلم؛ أن العهد الذي يعطيه الإنسان على نفسه لا يخلو من أن يكون:
1)توكيد ما ثبت وجوبه بالشرع ابتداء:
فقد أمر الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم بالعمل بالتوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والجهاد في سبيل الله وطاعة ولاة الأمور وحفظ الأسرار وأداء الأمانات والنصح للمسلمين والإحسان إليهم، فهذه الأمور واجبة بالشرع أصلا، سواء تعهد الإنسان بالتزامها أو لم يتعهد، فإذا تعهد بالتزامها وأقسم على هذا، فإن هذه الأمور تصير واجبة من وجهين.
أولهما: وجوبها بالشرع ابتداء.
ثانيهما: العهد والقسم على التزامها.
فتكون فائدة العهد في هذه الأمور هو توكيد ما وجب بالشرع ابتداء.
وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم؛ واجب على الإنسان، وإن لم يعاهدهم عليه، وإن لم يحلف لهم الأيمان المؤكدة، كما يجب عليه الصلوات الخمس والزكاة والصيام وحج البيت وغير ذلك مما أمر الله به ورسوله من الطاعة، فإذا حلف على ذلك توكيدا وتثبيتا لما أمر الله به ورسوله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم، فالحالف على هذه الأمور لا يحل له أن يفعل خلاف المحلوف عليه - سواء حلف بالله أو غير ذلك من الأيمان التي يحلف بها المسلمون - فإن ما أوجبه الله من طاعة ولاة الأمور ومناصحتهم واجب وإن لم يحلف عليه، فكيف إذا حلف عليه؟! وما نهى الله ورسوله عن معصيتهم وغشهم؛ محرم وإن لم يحلف على ذلك) [51] .
فالعهد أو البيعة على الطاعة الواجبة بأصل الشرع؛ يزيد وجوب هذه الطاعة توكيدا، وهذا هو الغرض الأول من العهد.
والغرض الثاني من البيعة والعهد؛ التزام العبد ما أوجبه على نفسه مما لم يوجبه الشرع ابتداء:
مثال ذلك النذر لم يوجبه الشرع ابتداء، ولكن إذا أوجبه العبد على نفسه بأن نذر لله تعالى إن حدث له كذا ... فعل كذا ... ؛ صار واجبا عليه الوفاء بهذا النذر، لأن الله تعالى أمر بالوفاء بالنذر: {يوفون بالنذر} .
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصه فلا يعصه) [52] .
ومن المعلوم؛ أن النذر لم يوجب الله النذر على الناس ابتداء.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في بيان ما يجب بالشرع ابتداء وما يجب بالعهد: (والذي يوجبه الله على العبد قد يوجبه ابتداء، كإيجابه الإيمان والتوحيد على كل أحد وقد يوجبه، لأن العبد التزمه وأوجبه على نفسه، ولولا ذلك لم يوجبه، كالوفاء بالنذر للمستحبات، وبما التزمه في العقود المباحة: كالبيع والنكاح والطلاق ونحو ذلك، إذا لم يكن واجبا، وقد يوجبه للأمرين، كمبايعة الرسول صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة له، وكذلك مبايعة أئمة المسلمين، كتعاقد الناس على العمل بما أمر الله به ورسوله) [53] .
وقال رحمه الله في موضع آخر مبينا نفس المسألة: (والأصل العقود أن العبد لا يلزمه شيء إلا بالتزامه، أو بإلزام الشارع له، فما التزمه فهو ما عاهد عليه، فلا ينقص العهد ولا يغدر، وما أمره الشارع به فهو مما أوجب الله عليه أن يلتزمه وإن لم يلتزمه، كما أوجب عليه أن يصل ما أمر الله به أن يوصل من الإيمان بالكتب والرسل، ومن صلة الأرحام، ولهذا يذكر الله في كتابه هذا، وهذا كقوله: {الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل} ، فما أمر الله به أن يوصل فهو إلزام من الله به، وما عاهد عليه الإنسان فقد التزمه فعليه أن يوفي بعهد الله، ولا ينقض الميثاق، إذا لم يكن ذلك مخالفا لكتاب الله) [54] .
[51] مجموع الفتاوى: 35/ 9 - 10.
[52] رواه البخاري والترمذي والنسائي وأبو داود وأحمد وابن ماجة والبيهقي وابن خزيمة وابن حبان.
[53] مجموع الفتاوى: 29/ 345 - 346.
[54] مجموع الفتاوى: 29/ 341 - 342.