ص -109 - تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ, وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:178 - 179] .
قال العلماء: إن أولياء المقتول تغلي قلوبهم بالغيظ، حتى يؤثروا أن يقتلوا القاتل وأولياءه، وربما لم يرضوا بقتل القاتل، بل يقتلون كثيرا من أصحاب القاتل كسيد القبيلة ومقدم الطائفة، فيكون القاتل قد اعتدى في الابتداء، وتعدى هؤلاء في الاستيفاء كما كان يفعله أهل الجاهلية الخارجون عن الشريعة في هذه الأوقات، من الأعراب والحاضرة وغيرهم. وقد يستعظمون قتل القاتل لكونه عظيما أشرف من المقتول، فيفضى ذلك إلى أولياء المقتول يقتلون من قدروا عليه من أولياء القاتل، وربما حالف هؤلاء قوما واستعانوا بهم، وهؤلاء قوما فيفضي إلى الفتن والعداوات العظيمة. وسبب ذلك خروجهم عن سنن العدل الذي هو القصاص في القتلى فكتب الله علينا القصاص وهو المساواة والمعادلة في القتلى وأخبر أن فيه حياة، فإنه يحقن دم غير القاتل من أولياء الرجلين.
وأيضا علم من يريد القتل أنه يقتل كف عن القتل. وقد روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم, ويسعى بذمتهم أدناهم, ألا لا يقتل مسلم بكافر, ولا ذو عهد في عهده"رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من أهل السنن [أبو داود:2751، ابن ماجه: 1683، أحمد: 2/ 192] . فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن المسلمين تتكافأ دماؤهم - أي تتساوى وتتعادل - فلا يفضل عربي على عجمي، ولا قرشي أو هاشمي على غيره من المسلمين، ولا حر أصلي على مولى عتيق، ولا عالم أو أمير، على أمي أو مأمور. وهذا متفق عليه بين المسلمين، بخلاف ما كان عليه أهل الجاهلية وحكام اليهود فإنه كان بقرب مدينة النبي صلى الله
عليه وسلم صنفان من اليهود: قريظة