يستند هذا الفرق إلى الأصل اللُّغويّ للزّهد؛ فـ: «الزّهدُ في الشيءِ: قِلّةُ الرَّغبةِ فيه.» [1] ، والرغبة وعدَمُها أمران قلبيّان. ولعلَّ هذا الأصلَ كان نُصْبَ عين مَنْ فَسَّرَ قولَهُ تعالى: {لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} (الحديد: 23) ، فقال: «فالزّاهِدُ لا يَفرح من الدّنيا بموجود، ولا يأسَفُ منها على مفقود.» [2] .
ص. الفرق بين: (الزُّهْدِ) ، و (الوَرَعِ) :-
قالَ القرافيّ: «الزّهد هيئة في القلب ... والوَرَعُ من أفعال الجوارح، وهو: تَرْكُ ما لا بَأسَ به حَذَرًا ممّا به البأسُ، وأصلُهُ: قولُهُ صلّى الله عليه وسّلم: «الحَلالُ بَيِّنٌ والحَرام بَيِّن، وبينهما أمورٌ مُشْتَبِهات، فَمَن اتَّقى الشُّبُهاتِ فقد استَبْرَأَ لدينِهِ وعِرْضِهِ» [3] ، أي: سَلِمَ.» [4] .
ونقل القرافيّ في موضعٍ آخرَ عن ابن رُشْدٍ (595هـ) [5] فرقًا بين الزُّهْد والوَرَع؛ إذ قال: «قال صاحب المُقَدّمات: الزّهد غَيْرُ الوَرَع؛ فالزّهد في الحلال لا في الحرام» [6] .
وقولُ ابنِ رُشد: «الزّهد في الحلال لا في الحرام» يقتضي أنَّ الوَرَعَ إنّما يكون عن الحرام أو - في الأقل - عَمّا لا ينبغي فعلُهُ، أمَّا تعريف القرافيّ للوَرَع بأنَّهُ تَرْكُ ما لا بأس به حَذَرًا ممّا به البأسُ فيقتضي تعلُّقَ الوَرَع بالحلال لا بالحرام؛ إذ إنَّهُ لا يقال عن الحرام: إنَّهُ لا بأس به.
(1) عمدةُ الحُفّاظ في تفسير أشرف الألفاظ: 2/ 1132.
(2) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين: 2/ 11.
(3) هذا الحديث اتَّفَقَ على روايته البخاري (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 52) ، ومسلم (261هـ) في صحيحه (الأحاديث رقم 4070 و4071 و4072 و4073) .
(4) أنوار البروق في أنواء الفروق (الفرق ... بين قاعدة الزهد وبين قاعدة الوَرَع) : 4/ 1344.
(5) هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد الحفيد. برع في علوم الأوائل، والطب، والفقه، والعربيّة، والأدب. من أهم كتبه: (بداية المجتهد) ، و (الكليّات في الطب) ، و (مختصر المستصفى في الأُصول) ، و (الضروري في العربيّة) . (ينظر: الفكر السامي: 4/ 267) .
(6) الذّخيرة: 13/ 246.