وحاوَلَ الفرّاء (207هـ) التوفيقَ بين الأقوال المتعارضة؛ فبعد أن ذَكَرَ أنَّ الأصلَ في (الإحصار) هو المَنْعُ من الحجِّ لخوف أو مَرَضٍ بلا حَبْسٍ، والأصل في (الحَصْرِ) هو الحَبْسُ والقَهْرُ، ذَكَرَ أنَّهُ لو قيلَ للذي يمنعُهُ المرضُ أو الخوفُ: قد حُصِرَ، لجاز؛ لأنّه بمنزلة الذي قد حُبِسَ، ولو قيلَ للذي حُبِسَ: أُحْصِرَ، لجاز أيضًا، كما لو نُوِيَ في قَهْرِ السلطان أنَّها علةٌ مانعةٌ، ولم يُذْهَبْ إلى فِعل الفاعل، فيجوز أن يُقال: قَدْ أُحْصِرَ الرَجُلُ [1] .
فقد جَعَلَ الفرّاءُ - هنا - حابسَ الشخصِ بمنزلةِ المرضِ والخوفِ الذي مَنَعَهُ من التصرف [2] .
غيرَ أنَّ الأزهريَّ (370هـ) لم يَرْتَضِ توجيهَ الفَرّاءِ وعَدَّهُ إدْخالًا غيرَ محمودٍ لمادّةٍ في أُخرى: فقال: «قال أهلُ اللُّغة: يُقال للرّجُلِ الذي يمنعه الخوفُ أو المرضُ من التصرّف: قد أُحْصِرَ، وهو مُحْصَر. ويُقال للذي حُبِسَ: قد حُصِرَ، فهو مَحْصُور.» [3] ، ثمَّ نَقَلَ توجيه الفرّاء المذكور آنفًا، وعَقَّبَ عليه بقوله: «وكلام العرب هو الأوّل، وعليه اللُّغة.» [4] . ولكنَّ إنصافَه جَعَلَهُ - بَعْدُ - يُقِرُّ للفراء بأنَّ كلامَهُ لا يَخلو من حُجَّةٍ، لقولِ ابنِ عباسٍ: «لا حَصْرَ إلاّ حَصْرُ العَدُوِّ» .
ويبدو لي - واللهُ أعلم - أنَّ الأصْلَ هو ما نَقَلَهُ الأزهَريّ (370هـ) عن أهل اللُّغةِ من اختلاف المادّتين دلالةً تبعًا لاختلافهما مبنًى، وهو ما قَرَّرَهُ جمعٌ ممّن كَتَبَ في مادة (فَعَلْتُ وأفْعَلْتُ) ، كالزَّجّاج (311هـ) الذي أتى بالكلمتين في باب الحاء من (فعلتُ وأفْعَلْتُ والمعنى مختلف) ، قائلًا: «حَصَرْتُ الرجلَ في منزله، وحَصَرْتُ القومَ في مدينتهم، وأحْصَرَهُ المرض، إذا مَنَعَهُ من السير.» [5] ، غيرَ أنَّهُ قد يُتَوَسَّعُ في إحلال إحداهما محلَّ الأُخرى أحيانًا نظرًا لاشتراكهما في أصل المعنى، وهو الحَبْسُ، كما ذَكَرَ ابنُ فارسٍ، والفرّاءُ.
(1) ينظر: معاني القرآن: 1/ 117 - 118.
(2) ينظر: تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح: 1/ 463.
(3) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي: 285.
(4) الزاهر في غريب ألفاظ الإمام الشافعي: 285.
(5) فعلتُ وأفْعَلْتُ: 68. وينظر: إصلاح المنطق: 230.