يُشْكِلُ - على أساسه - ما ذكره القرافيّ من قوله تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} (البقرة: 50) ، و: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة: 25) ، لمجيء (فَرَقَ) مع أجسام، كما يُشْكِلُ قولُهُ تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (الأنعام: 159) ، لمجيءِ (فَرقَ) مع معنًى، وهو الدينُ. فلابُدّ - والأمرُ كذلك - من إعادة صَوْغِ القاعدةِ بما يَكْفُلُ إزالةَ اللَّبْسِ الحاصل في بعض تطبيقاتها، وبما يتيح الانسجامَ بين النظريةِ والتطبيقِ. ولكن لا بأسَ - قبل ذلك - من التعريجِ على الأصلِ اللُّغويّ للمادّةِ؛ فـ «الفاء والراء والقاف: أُصَيْلٌ صحيح يدلّ على تمييز وتزييل بين شيئين» [1] ، ويدل كذلك على انفصالِ شيءٍ عن شيءٍ [2] .
فالصياغة المقترحة للقاعدةِ - استنادًا إلى أمثلتها القرآنيّة - هي: أنَّ لفظة (فَرَقَ) - بالتخفيف - تُسْتَخدم في الفصل بين الأمور المعنويّة البَحْتَةِ، كما في قوله تعالى: {وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ} (الإسراء: 106) ، و: {فِيهَا يُفْرَقُ كلّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} (الدخان: 4) ، أو في الفصل بين الأمور المادّيّة ذات العلاقات الضعيفةِ التماسكِ، أو التي يمكن الفصلُ بين أجزائها بسهولة، كما في الآيتين اللتين استَشْكَلَهُمَا القرافيّ، وهما: قولُهُ تعالى: {وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ} (البقرة: 50) ، وقوله: {فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} (المائدة: 25) ؛ ففي الآية الأولى استُخدِمت المخَفَّفَةُ مع البحرِ؛ لأنّ الماءَ جسمٌ انسيابيٌ رخوٌ، ليس فيه من قوةِ التماسكِ ما في لحمِ الشاة مثلًا [3] ، فبإمكان المرءِ فصلُ كميةٍ من الماءِ إلى كمّيّتينِ اثنتينِ بسهولةٍ بالاغترافِ باليدِ، من غيرِ تكلّفٍ ولا شدّةٍ، بخلافِ لحمِ الشاةِ، الذي يحتاج - لفَرْطِ قوّتِهِ وتماسكِ أجزائه - إلى قوةٍ وشدّةٍ لِفَصْلِ أجزائه بعضِها عن بعضٍ. وأمَّا استخدام المخَفَّفَةِ في الآية الأُخرى؛ فَلِلَمْحَةٍ بلاغيّةٍ لطيفةٍ، تُشيرُ إلى ضَعْفِ العَلاقةِ بين موسى وأخيه هارونَ - وهما رسولانِ -، وبينَ القومِ الفاسقينَ؛ فهي - لضَعْفِها - تزولُ بأخَفِّ عارِضٍ، من غير تَكَلُّف وتَعَمُّل.
(1) معجم مقاييس اللُّغة: 4/ 493.
(2) ينظر: مفردات ألفاظ القرآن: 632.
(3) ينظر: دراسات جديدة في إعجاز القرآن: 73.