فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 463

حيث هو معبود أو مخلوق، لا من جهة أنَّهُ عاقل. وهو من جهة أنَّهُ مخلوق أو معبود لا يستحقّ لفظ (مَنْ) بل لفظ (ما) خاصّةً، فلذلك عُبِّرَ عن العموم في هذه الصّور بلفظ (ما) مع اندراج العقلاء فيه، ... وبهذه القاعدة أمْكَنَ الجمعُ بين نقل النّحاة أنَّ (ما) لما لا يَعْقِل، وبين صحّة سؤال ابن الزِّبَعْرى وتقرير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - له، وحصولِ اندراج الملائكة والمسيح من جهة عامة، لا تَسْتَحِقُّ تلك الجهةُ من حيث هي هي لفظ (مَنْ) بل (ما) . وهذا جواب سديد لم يتفطّن له كثير من الفضلاء، بل أجابوا عن الآية وصحّةِ السؤال بأنَّ (ما) يُستَعْمَل لما يَعْقِل، كقوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا} (الشّمس: 5) ، و: {وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ} (الكافرون: 3) . وهذا جواب لا يَثْبُتُ معه جادّةُ نقل النّحاة، بل يحصل التّعارض فقط، وأمَّا مع ملاحظة هذه القاعدة لا يحصل [1] تعارض.» [2] .

ومُلَخَّصُ ما جاء به القرافيّ من الفرق بين (ما) و (الذي) هو أنَّهُ ينبغي أن نفرقَ بين مفهومين يتعلّقان بـ (ما) قد يتداخلان فيسبّبان لبسًا في الفهم، هما (الاندراج) ، و (الاستلزام) ؛ فعلى الرّغم من اندراج الإنسان في الحيوان، واندراج الحيوان في الجنس، لا يستلزم وجودُ الحيوان وجودَ الإنسان، ولا وجودُ الجنسِ وجودَ الحيوانِ. وهذا هو معنى قول القرافيّ: «كلّ معنًى أعمّ لا يستلزم ما تحته» . وبهذا المعنى قَرَّرَ القرافيُّ اندراجَ (العَقْل) في (المخلوقيّة) و (المعبوديّة) ، وعَدَمَ استلزامِهِما إياه في الوقت نفسه؛ فإنَّ العقلَ حالةٌ تَعْرِضُ لهذه العمومات. وبهذه الطريقة تمكّن القرافيّ من الجمع بين قول النّحاةِ إنَّ (ما) لما لا يَعْقِل، وصحّةِ سؤال ابن الزّبعرى؛ فالملائكةُ والمسيحُ يمكنُ اندراجها في (المعبوديّة) ، ولكنّ الأخيرةَ لا تستلزمُ الملائكةَ

(1) (أمَّا) حَرف تفصيل يقومُ مقامَ أداة الشَّرْط وفعلِ الشَّرْط، والمذكور بَعدَه جواب الشّرط؛ فلذلك لزِمَتْهُ الفاء. فالرّاجح أنَّ يُقال: (فأمّا مع ملاحظة هذه القاعدة فلا يحصل تعارض) . ولم يأتِ حَذْفُ الفاءِ إلاّ في الشِّعْر، أمَّا النَّثْر فلم تُحذَف فيه بكَثرةٍ إلاّ عِند حَذْفِ القول مَعَها؛ نحو قوله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ = = إِيمَانِكُمْ} (آل عمران: 106) ، أي: فيُقالُ لهم: أكَفَرْتُم بعدَ إيمانكم؟. وبخلافِ هذه الحالةِ لم تُحْذَف الفاء في النَّثْر إلاّ بِقِلَّةٍ؛ نحو قوله صلّى الله عليه وسلّم: «أمَّا بَعدُ، ما بالُ رجالٍ يشترطونَ شروطًا ليسَتْ في كتاب الله؟» . رواه البخاريُّ (256هـ) في صحيحه (الحديث رقم 2168) . (ينظر: شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك: 4/ 52 - 54) .

(2) العقد المنظوم في الخصوص والعموم (في إقامة الدّليل على أنَّ هذه الصّيغ للعموم) : 1/ 473 - 474.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت