وأمَّا (ما) الدّاخلة على (حيثما) ، فليست زائدةً، ولكنّها كافَّةٌ لها عن الإضافة؛ يقول سيبويه (180هـ) : «ولا يكون الجزاءُ في (حيثُ) ولا في (إذ) حتّى يُضَمّ إلى كلّ واحدٍ منهما (ما) .» [1] ، فـ (حيث) لا تكون أداة شرط إلاّ إذا كَفَّتْها (ما) عن الإضافة؛ لأنَّ (حيث) من الظّروف الملازمة للإضافة لِمَا فيها من الإبهام، والإضافة تفيدُها توضيحًا وتخصيصًا، وهذا ينافي معنى الشّرط؛ لأنَّ باب الشّرط مبنيّ على الإبهام، فلمّا قُصِدَ بها الشّرطُ والمجازاة أُلزِمَتْ (ما) لتكفَّها عن الإضافة، فعاد إليها الإبهام، وأفادت مع (ما) معنى الشّرط. ثمّ إنَّ (حيث) مجرّدةً من (ما) يجوز أن يُبْتَدَأ بعدها بالاسم، وأدوات الشّرط تختصّ بالدّخول على الأفعال، فلمّا دخلت عليها (ما) اختصّت بالدّخول على الأفعال [2] . وقد بيّن هذا سيبويه، فقال: «وإنّما مَنَعَ (حيثُ) أن يُجازى بها أنّك تقول: حيث تكون أكون؛ فـ (تكون) وَصْلٌ لها، كأنّك قلت: المكان الذي تكون فيه أكون، ويُبَيِّنُ هذا أنَّها في الخبر بمنزلة (إنّما) و (كأنّما) و (إذا) أنَّهُ يُبْتَدَأُ بعدها الأسماءُ، أنّك تقول: حيثُ عبدُ اللهِ قائمٌ زيدٌ، و: أكون حيث زيدٌ قائمٌ؛ فـ (حيث) كهذه الحروف التي تُبتدأ بعدها الأسماءُ في الخبر، ولا يكون هذا من حروف الجزاء. فإذا ضممتَ إليها (ما) صارت بمنزلة (إن) وما أشبهها، ولم يَجُزْ فيها ما جاز فيها قبل أنْ تجيء بـ (ما) ، وصارت بمنزلة (إمَّا) » [3] .
وصَرَّح الرّضيّ (686هـ) بمفارقة (حيثما) (متى ما) في حكم (ما) الدّاخلة عليها، فقال: «وأمَّا (حيثما) ، فتقول: (ما) فيها كافّة لـ (حيث) عن الإضافة، لا زائدةٍ كما في (متى ما) و (أمَّا) ؛ وذلك أنَّ (حيث) كانت لازمة للإضافة، فكانت مُخَصَّصَةً بسبب المضاف إليه، فكفَّتْها (ما) عن طلب الإضافة، لتصير مبهمة كسائر كلمات الشّرط» [4] .
وقد كان القرافيّ مُوَفَّقًا في عَدِّهِ (ما) الدّاخلة على الكثير من أدوات الشّرط زائدةً للتّقوية، متناسيَا ما كان قد ثَبَّتَهُ من قَبْلُ من القول بزمانيّتها، ولكنّه سَلَكَ
(1) الكتاب: 3/ 56.
(2) ينظر: أسلوب الشّرط بين النّحويّين والأُصوليّين: 107 - 108.
(3) الكتاب: 3/ 58 - 59.
(4) شرح الرّضيّ على كافية ابن الحاجب: 5/ 97.