ب. الفرق بين قراءتي: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} و: {وَمَا يَضِلُّ بِهِ إلاَّ الفاسِقونَ} (البقرة: 26) :-
قال القرافيّ: «قولُهُ تعالى في سورة البقرة: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} (البقرة: 26) ، هذا استثناءٌ مُفَرَّغٌ للمفعول، وهي قراءة الجماعةِ، وهي خَطّ المُصْحَفِ. ورُويَ عن إبراهيمَ بنِ أبي عَبْلَةَ [1] : {وَمَا يَضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقونَ} [2] ؛ قال أبو عمرو [3] : هذه قراءةُ القَدَرِيَّةِ، وهي مخالِفَة لرسم المصحف، فجعله مفرَّغًا للفاعل. قلتُ: فإنَّ القدريّةَ تعتقد أنَّ اللهَ لا يريدُ الضّلالَ ولا يُضِلّ أحدًا، وإنّما العبدُ يَضِلّ من قِبَل نَفْسِهِ، بناءً على أنَّ الحيوانَ مستقلّ بأفعالِهِ. وهذه الآية حُجَّةٌ عليهم، وتحريفُ القرآن لا يخلّصهم من قيام الجُملة عليهم، لبطلان قراءتهم.» [4] .
ولو أنَّ أبا عمرٍو، والقرافيَّ من بعدِهِ اكتفيا برَدِّ هذه القراءة لمخالفتها رسمَ المصحف، لما خولِفَا في ذلك؛ فعلامَةُ القراءةِ الصّحيحةِ موافقَتُها العربيّةَ ولو بوجهٍ، وموافَقَتُها أحدَ المصاحفِ العثمانيّةِ ولو احتمالًا، وصحّةُ سندها، ومتى اختلَّ ركن من هذه الأركان الثّلاثة أُطْلِقَ عليها ضعيفة أو باطلة [5] ، فمخالفةُ القراءةِ للمصحفِ العثمانيّ كفيلةٌ بِرَدِّها. أمَّا أن يُقالَ إنَّ هذه القراءةَ هي قراءةُ القَدَرِيَّةِ الذين يعتقدونَ أنَّ
(1) هو أبو إسحاقَ العُقَيْليّ الشّاشيّ المقدسيّ، من بقايا التّابعين. وقيل: يُكنّى أبا العبّاس، وقيل: أبا سعيد، وأبا إسماعيل إبراهيم بن شَمِر بن يقظانَ بن مُرتحل الرَّمْلِيّ. توفّي سنة (152هـ) . (ينظر: سِيَر أعلام النّبلاء: 6/ 323 - 325) .
(2) قراءة الجماعة هي: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} ، وقراءة ابن أبي عبلةَ: {وَمَا يَضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقونَ} ، فيكون (الفاسقون) مرفوعًا على أنَّهُ الفاعل. (ينظر: مختصر شواذّ القرآن: 4، و: إعراب القراءات الشّواذّ: 1/ 142، و: معجم القراءات: 1/ 69) .
(3) هو أبو عَمرو بن العلاء، زبّان بن العلاء بن عَمّار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التّميميّ المازنيّ البَصْريّ. كان من أوسع النّاس علمًا بكلام العرب ولغاتها وغريبها. وكان من جِلَّة القُرّاء الموثوق بهم. توفي - على الأرجح - سنةَ (154هـ) . (ينظر: طبقات النّحويّين واللُّغويّين: 28 - 34) .
(4) الاستغناء في أحكام الاستثناء (في الاستثناء المفرّغ) : 238.
(5) ينظر: النّشر في القِراءات العشر: 1/ 9.