فهرس الكتاب

الصفحة 376 من 463

ثم ذَكَرَ ابن القيّم أنَّ ثمّةَ قولًا أحسنَ من هذا الذي قاله النّحاة، وهو أنَّهُ في قوله تعالى: {فَقَالُوا سَلامًا} لم يُقْصَد حكايةُ سلام الملائكة، فنُصِبَ السّلامُ انتصابَ مفعول القول المفردِ، كأنّه قيل: فقالوا قولًا سلامًا، و: قالوا سدادًا وصوابًا، ونحو ذلك. ومن هذا قوله تعالى: {وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (الفرقان: 63) ؛ إذ ليس المراد أنّهم قالوا هذا اللّفظ المفرد المنصوب، وإنّما معناه: قالوا قولًا سلامًا، مثل: سدادًا، وصوابًا.

أمَّا في قوله تعالى: {قَالَ سَلاَمٌ} فقد حُكيَ عن إبراهيمَ لفظُ سلامِهِ، فأُتِيَ به على لفظِهِ مَرْفوعًا بالابتداء محكيًّا بالقولِ، ولولا قَصْدُ الحكاية لقال: (سلامًا) - بالنّصب -؛ لأنَّ ما بعدَ القول إذا كان مَرْفوعًا فعلى الحكاية ليس إلاّ. ثمّ بنى ابن القيّم على ما ذَكَرَ فَرْقًا لطيفًا بين الكلامَيْنِ في حكاية سلام إبراهيم ورفْعِهِ، ونَصْبِ سلام الملائكة، وهو أنَّ القرآن حكى لنا قولَ إبراهيم: (سَلاَمٌ عليكم) لنِعْلَمَ أنَّهُ من ملّة إبراهيمَ التي أمَرَنا اللهُ باتِّباعِها، فنقتدي بِهِ في سلامِهِ، ولم يَحْكِ القرآنُ قَوْلَ أضيافِهِ، وإنّما جاءَ به مُفْردًا ليحصل الفرقُ [1] .

ط. الفرق بين الأوجه الثّلاثة في (لا تأكل السَّمكَ وتشربَُِ اللّبنَ) :-

قال القرافيّ: «تقولُ العربُ: (لا تأكل السّمكَ وتشرب اللّبن) : فيه ثلاثة أوجه؛ إن جَزَمْنا الفعلين (تأكل وتشرب) كان كلّ واحدٍ منهما متعلَّقَ النّهي؛ وإن نصبنا الثّانيَ وجَزَمْنا الأوّلَ كان متعلَّق النّهي هو الجمع بينهما فقط، وكلُّ واحدٍ منهما غير منهيّ عنه؛ وإن جَزَمْنا الأوّلَ ورَفَعْنا الثّانيَ كان الأوّلُ هو متعلَّقَ النّهي فقط في حال ملابسة الثّاني، أي: لا تأكلِ السّمكَ في حالة شربك اللّبَنَ؛ فالحالُ ليس منهيًّا عنها؛ فإذا قلت: لا تُسافِرْ والبحرُ هائجٌ، ولا تُصَلِّ والشّمسُ طالعةٌ، فَلَسْتَ تَنْهى عن هَيَجانِ البحر ولا عن طلوعِ الشَّمْسِ، بل عن الأوّلِ فقط، كذلك ههنا. فتختلفُ المعاني باختلافِ رفع الثّاني ونصبِهِ وجَزْمِهِ، والأوّلُ في الأحوالِ الثّلاثةِ مجزومٌ.» [2] .

(1) ينظر: بدائع الفوائد: 2/ 638 - 639.

(2) شرح تنقيح الفصول (في أقسام النّهي) : 172 - 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت