فهرس الكتاب

الصفحة 417 من 463

أهمّ هذه الثنائيّات: ثنائيّة (الكِفايَة / الأداء) ، وثنائيّة (البِنْيَة العميقة / البِنْيَة السطحيّة) [1] .

ولعلَّ النظرةَ السريعةَ العجلى تُظْهِرُ تفوّقَ الفكر الغربيّ على نظيره العربيّ في مجال الفروق اللّغويّة؛ فالملاحَظ أنَّ هذه الأخيرة كانت ركائزَ البناء للفكر اللُّغويّ الغربيّ الحديث، ولكنّها لم تكُن كذلك عند العرب عامّةً، وإنّما كان الاشتغال بها عندهم إسهامًا في ضمن إسهامات لغويّة مختلفةٍ، تَمَثَّلَ في جهود مُبْتَسرَةٍ مُبَعْثَرَةٍ - في الغالب - هنا وهناك، تفتقر - في مجملها - إلى الإطار الجامع الذي نستطيع من خلاله أن نُسْبغَ عليها صفة المعرفيّة (أو الابستيمولوجيا) .

ولعلَّه لو قُيِّضَ لمنهجيّة القرافيّ المتفوِّقة من يتبنّاها ويطوِّرُها، ثم يصوغ - على هَدْيِها - منظومةً فروقيّة لغويّة متميّزة، لكان الحال غيرَ الحال، ولربَّما كان قد أصبحَ لدينا ما نباهي به غيرَنا في هذا الحقل المعرفيّ. ولكنّ الأمر لم يَسِرْ على هذه الشاكلة؛ إذ لم ينسج المشتغلون بالفروق اللّغويّة بعد القرافيّ على منواله، أو يقتفوا أثره إلاّ من رَحِمَ ربّي، دَع عنك أن يطوِّروا منهجيَّتَه ويبلوروها نظريّةً فروقيَّة لغويَّةً لها أُطُرٌ فكريّةٌ تَحْكُمُ دراستَها، وهذا ما جَعَلَ جهدَ القرافيّ وَسْطَ جهود الآخَرينَ يبدو كالطائر المحلِّق بعيدًا عن سِرْبِهِ.

وشَمِلَ الباب الثاني نتائجَ المَسْح الذي حاوَلَ أن يستوعِبَ - قَدْرَ المستطاع - ما تطولُهُ اليدُ من كتب القرافيّ، لتسجيلِ ما فيها من فروق في علوم اللُّغة المختلفة، وتصنيفِ هذه النتائج مُوَزَّعَةً على تلك العلوم. وقد استقريْتُ في هذا الباب كتبًا أُخرى كثيرةً، توقَّعْتُ أن تتطرَّق إلى ذكر بعض ما تكلَّم عليه القرافيّ، ومَظانَّ حَدَسْتُ أن توجَدَ فيها تعقّباتٌ أو استطراداتٌ أو توضيحاتٌ لآرائه، فانتقيْتُ منها ما يُغني البحثَ ويُثريهِ، بتأمّل ما يُسْفِرُ عنه تلاقُحُ عقول الرّجال في هذا المجال العلميّ الدقيق.

(1) ينظر: تشومسكي - فكره اللُّغويّ وآراء النقّاد فيه: 66 - 71.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت