95.لكن كيف تتم تسوية الصفوف في المساجد الكبرى, وتسوية الصفوف من تمام الصلاة,, فهل من المصلحة أن تزال هذه الخطوط أو من المصلحة أن تبقى؟ مصلحة إبقاء هذه الخطوط ظاهرة بلا شك - لكن هذا الكلام قد يجر إلى أمور لا يوافَق عليها القائل - ولا يختلف أحد في أن هذه الخطوط تضبط الصفوف, وفي هذا العصر لا يمكن ضبط الصفوف إلا بهذه الطريقة, بالإضافة إلى تساهل الناس في هذه العصور والناس بحاجة إلى ما يعينهم على إتمام صلاتهم.
96.المسألة اجتهادية, فمن قال بإزالة هذه الخطوط له وجه, ومن قال بإبقائها لأنها تحقق مصلحة عظمى وهي من تمام الصلاة ولا يترتب عليها مفسدة فله وجه.
97.لكن الذي ينبغي أن يوصى به ألا نسترسل في هذه المحدثات, بل نأخذ منها بقدر الحاجة, لأن بعض الناس يأتي بأمور لا حاجة لها ولا داعي, فنحن بحاجة مثلًا إلى إنارة في المحراب ليقرأ الإمام وينفع المصلين لكن ما الداعي إلى أن توضع ثريا بمائة ألف؟!!! وما الداعي إلى أن وضع محسنات صوت تردد الكلام؟!! كل هذا لا داعي له وهو قدر زائد على الحاجة. فالاسترسال في مثل هذه الأمور ينبغي أن يكون بقدر الحاجة, لأنه بصدد عبادة محضة الأصل فيها الاقتداء, وأي خلل فيها يخالف ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام فهو ابتداع, لكن يبقى أن من هذه الأمور المخالفة ما مصلحته أعظم من مفسدته فينظر إليها بقدرها
98.لما احتاج الناس إلى من يبلغ صوت الإمام اتُّخِذَ المبلِّغ واختلفوا في جواز الاقتداء بهذا المبلغ, ثم جاءت مكبرات الصوت فاستغني عن المبلِّغ, مع أنه يوجد في بعض الجهات المكبرات والمبلِّغ معًًا.
99.حديث أبي هريرة (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها - الحديث -) : أفضل الصفوف الصف الأول, وجاء في فضله نصوص ومنها (لو يعلمون ما في النداء والصف الأول لأتوهما ولو حبوًا) وفي رواية (لاستهموا) .
100.قوله (خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها) : خيرها أي أكثرها أجرًا وأعظمها فضلًا, وشرها أي أقلها أجرًا وإن كان فيها خير, لأن أفعل التفضيل في جملة (خير صفوف الرجال أولها) على وجهه, حيث اشترك الأول والذي يليه والذي يليه في الخير لكن الأول زاد في وصف الخيرية, ومقتضى أفعل التفضيل في جملة (وشرها آخرها) أن تكون هذه الصفوف اشتركت في الوصف الذي هو الشر لكن زاد الآخر على الذي قبله, لكن المراد بالشر هنا الشر النسبي, ولا شك أن الخير في الأكمل, والذي دونه فيه خير بلا شك, لكن هذا النقص من الكمال شر نسبي, ولذا قالوا في قوله (وشرها آخرها) يعني أقلها أجرًا, وليس معنى الشر هننا المعنى العرفي المتبادر. الخير والشر أمور نسبية, فالأكثر خير, والأقل شر بالنسبة لما هو أكثر منه, والأقل خير بالنسبة لما هو أقل منه. ومن تأخر في الصفوف يحصل له الأجر بإذن الله بوعد الصادق, لكنه بالنسبة لمن تقدم لا شك أن الذي فوَّت عليه هذه المصلحة شر.
101.قوله تعالى (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرًا ... ) : أي خير من أصحاب النار, ومقتضى أفعل التفضيل أن يكون أصحاب النار في خير لكن أهل الجنة أكثر منهم خيرًا, لكن أفعل التفضيل في الآية ليست على بابها, فأهل النار في شر.
102.قوله (وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) : الرجال مطالبون بالجماعة وبالتقدم إليها, والنساء بيوتهن خير لهن, لكن إذا جاءت المرأة وبادرت مع أول الأذان وصارت في الصف الأول نقول حينئذٍ (شرها أولها) , يعني إن قُدِّرَ أنها تأتي فلتأتِ آخر الناس, لأن الأصل القرار في البيوت, ولذا جاء في الحديث (خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) .
103.منهم من ينظر إلى السبب وهو أن الأول من صفوف النساء قريب من الآخر من صفوف الرجال, فلكون الصف الآخر من الرجال قريب من صفوف النساء صار شرًا, ولكون الصف الأول من النساء قريب من صفوف الرجال صار شرًا, ولبعد صف الرجال الأول عن صفوف النساء صار خيرًا, ولبعد صف النساء الأخير عن صفوف الرجال صار خيرًا, وهذا إذا كان المسجد يصلي فيه رجال ونساء, لكن لو افترضنا أن النساء في مكان مستقل تمامًا عن الرجال هل نقول إن العلة انتفت فيشملها ما في الحديث الأول فيبقى خير الصفوف أولها حتى بالنسبة للنساء؟ إذا قلنا إن العلة معقولة وهي أن سبب التفضيل هو بعد الرجال عن النساء إذا كان هناك نساء ورجال, وافترضنا أن هذه