الصفحة 121 من 204

3.في حديث أبي هريرة قال (إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير, وليضع يديه قبل ركبتيه) والبعير يقدم يديه قبل ركبتيه: ابن القيم يرى أن الحديث مقلوب, وأن الأصل (وليضع ركبتيه قبل يديه) , وذلك ليتفق آخر الحديث مع أوله, وليتفق أيضًا مع فعله عليه الصلاة والسلام كما في حديث وائل بن حجر الذي جاء فيه تقديم الركبتين على اليدين.

4.القول بأن الحديث مقلوب لم يقل به أحدٌ غير ابن القيم رحمه الله, والعلماء الذين تتابعوا على رواية حديث أبي هريرة وصرح بعضهم بتصحيحه لا يمكن أن يخفى عليهم ما قاله ابن القيم.

5.ليزول الإشكال في الحديث ننظر في معنى البروك وكيف يبرك البعير, ولا شك أن البعير يقدم يديه قبل ركبتيه: من طبيعة البعير إذا برك أنه يثير الغبار ويفرق الحصى, فيكون بروكه هو نزوله على الأرض بقوة, فإذا نزل البعير على الأرض بقوة وأثار الغبار وفرق الحصى يقال له (برك) , وعلى هذا فمن شابه البعير في نزوله على الأرض بهذه القوة بحيث يثير الغبار ويفرق الحصى فقد برك كما يبرك البعير, لكن بالإمكان أن يضع المصلي يديه قبل ركبتيه مجرد وضع ولا يقال إنه برك كما يبرك البعير لأنه قال (وليضع) , لأن هناك فرقًا بين الوضع وبين البروك وبين الطرح والإلقاء, ففرق مثلًا بين وضع المصحف على الأرض مجرد وضع وبين رميه وإلقاءه مع أنه في كلتا الحالتين وصل إلى الأرض, لكن فرق بين الكيفية والكيفية, فالكيفية الأولى لا شيء فيها بخلاف الكيفية الثانية.

6.وضع اليدين قبل الركبتين مجرد وضع يشبه بروك البعير من وجه ويختلف معه من وجه, والمشابهة مع الشيء لا يلزم أن تكون من كل وجه, فتشبيه رؤية الباري برؤية القمر ليست مطابقة من كل وجه, وتشبيه الوحي بصلصلة الجرس ليست مطابقة من كل وجه, بل هو تشبيه من وجه دون وجه وإلا فالوحي محمود والجرس مذموم, ومع ذلك شُبِّه به لأنه يشبهه من وجه ولا يشبهه من وجه آخر.

7.إذا شابه البعير من الوجه المنهي عنه فقد وقع في المنهي عنه, فإذا نزل على يديه قبل ركبتيه على الأرض بقوة قلنا أشبه البعير, وإذا وضع يديه قبل ركبتيه مجرد وضع فقد امتثل الأمر في الحديث (وليضع يديه قبل ركبتيه) ولم يشبه البعير, لأن الوجه المنهي عن مشابهة البعير هو مشابهته في النزول بقوة.

8.حديث وائل بن حجر (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه) : لو وضع ركبتيه قبل يديه على الأرض بقوة فقد أشبه الحمار, وأما النبي عليه الصلاة والسلام فإنه يضع ركبتيه قبل يديه مجرد وضع كما في الحديث وإن كان فيه ضعف. نحن نريد أن نفر من مشابهة الحيوانات, لأنه إذا قيل لنا (من قدم يديه قبل ركبتيه أشبه البعير) قلنا (من قدم ركبتيه قبل يديه بقوة أشبه الحمار) فالمطلوب هو مجرد الوضع.

9.إذا أردنا أن نرجح بين حديث أبي هريرة وحديث وائل قلنا إن حديث أبي هريرة أرجح, فيكون المطلوب وضع اليدين قبل الركبتين مجرد وضع.

10.شيخ الإسلام يقول إن المطلوب الوضع وعدم النزول بقوة على الأرض لا على اليدين ولا على الركبتين, فالمطلوب هو الوضع سواء قدم اليدين أو قدم الركبتين.

11.إذا قدمنا اليدين قبل الركبتين بقوة أشبهنا البعير ووقعنا في المنهي عنه, وإذا وضعنا أيدينا قبل الركب مجرد وضع امتثلنا الأمر (وليضع يديه قبل ركبتيه) فالوضع غير البروك, وإذا أردنا أن نرجح فحديث أبي هريرة أرجح, وإذا أردنا أن نعمل بالحديثين - وهو ممكن على رأي شيخ الإسلام - فالمطلوب مجرد الوضع برفق وطمأنينة وسكون يناسب الصلاة, سواء قدمنا الركبتين أو اليدين لا فرق, فالمطلوب الوضع, فهنا (وضع ركبتيه) وهناك (وليضع يديه) فعلى رأي شيخ الإسلام نكون عملنا بالحديثين.

12.لا نحتاج إلى القول بأن الحديث مقلوب, كما لا نحتاج إلى القول بما قاله بعضهم من أن ركبتي البعير في يديه لأنه لا ينحل به الإشكال, بل إذا فهمنا ألفاظ الحديث انتهى كل إشكال.

13.نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التفات كالتفات الثعلب, ونهى عن افتراش كافتراش السبع, ونهى عن إقعاء كإقعاء الكلب, ونهى عن عقبة الشيطان, ونهى عن نقرٍ كنقر الغراب, ونهى عن رفع الأيدي عند السلام كأذناب خيلٍ شُمْس - فتحريك الأيدي عند السلام جاء النهي عنه - وهذه كلها مجموعة في قول الناظم (إذا نحن قمنا في الصلاة فإننا ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت