148.قوله (إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة وعليكم السكينة والوقار) : لأنه في صلاة, إذا خرج من بيته لا ينهزه ولا يدفعه إلى الخروج إلا الصلاة فإنه في صلاة, ولا يرفع رجله إلا بحسنة ولا يحطها إلا وتحط عنه خطيئة, والإسراع يفوِّت عليه كثير من هذه الحسنات لأنه يستلزم مد الرجل فيقل عدد الخطى. وقوله (وعليكم السكينة .. ) أي تظهر وتبدو عليكم السكينة والوقار (ولا تسرعوا) هذا النهي تأكيد لمفهوم الأمر السابق.
149.قوله (فما أدركتم فصلوا) : أي ما أدركتم مع الإمام قل أو كثر فصلوا, وفي هذا دليل لمن يقول إن الجماعة تدرك بإدراك أي جزء من الصلاة قبل سلام الإمام وهذا قول الأكثر, وفي كتب الحنابلة يقولون (من كبر قبل سلام إمامه التسليمة الأولى أدرك الجماعة ولو لم يجلس) .
150.القول الآخر أن الجماعة لا تدرك إلا بإدراك ركعة كاملة لقوله (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك) وهذا في الجمعة وغير الجمعة, ولقوله (من أدرك من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح) ومثله في العصر, وأقل من ركعة لا يطلق عليه اسم الصلاة, فالذي لم يدرك ركعة كاملة لم يدرك الصلاة لأن ما دون الركعة لا يسمى صلاة, لكن حديث الباب دليل للأكثر على أن إدراك أقل من ركعة يسمى إدراك, لأن (ما) في قوله (فما أدركتم) من صيغ العموم, فيشمل أكثر من الركعة كما يشمل الركعة وما دون الركعة.
151.جاء في رواية صحيحة (وما فاتكم فاقضوا) : رواية (فأتموا) يستدل بها الشافعية والمالكية على أن ما يدركه المسبوق هو أول صلاته وما يأتي به بعد سلام الإمام هو آخر صلاته, والقول الثاني وهو قول الحنابلة والحنفية على العكس من ذلك, فما يدركه المسبوق هو آخر صلاته وما يقضيه هو أول صلاته لرواية (وما فاتكم فاقضوا) والقضاء يحكي الأداء, فيكبر ويستفتح ويأتي بالفاتحة وسورة معها إذا شرع في القضاء, لكن إذا أمكن تصور مثل هذا في الأقوال فلا يمكن تصوره في الأفعال.
152.الراجح هو القول الأول, وتحمل رواية (فاقضوا) على رواية (فأتموا) , وجاء القضاء والمراد به الأداء كما في قوله تعالى (فقضاهن سبع سموات) ولا يقال إنها فعلت في غير وقتها, فيكون حينئذ معنى الحديث (فما أدركتموه مع الإمام فصلوه معه - ولو لم تعتدوا به إذا كان مما لا يعتد به كأقل من ركعة - وما فاتكم فأتموا - أي أضيفوا إليه -) , كما جاء في حديث (من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس - وفي بعض الروايات - وأضاف إليها أخرى - يعني ولو بعد طلوع الشمس - فقد أدرك الصبح) . فكون معنى القضاء الوارد في بعض الروايات هو معنى الأداء والإتمام يشهد له نصوص الكتاب والسنة ولغة العرب.
153.يرد على القول الثاني أن تكبيرة الإحرام إنما هي في الركعة الأولى والسلام إنما يعقب آخر الصلاة ولا يعقب أول الصلاة, وأيضًا صورة الصلاة وكيفيتها تختلف إذا قلنا بهذا القول.
154.مقتضى قوله (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا) أنه لو أدرك سجدتين مع التشهد من الركعة الأخيرة فإنه يقضي الركعات كلها فإذا لم يبق عليه سوى السجدتين والتشهد له أن يسلم مباشرة, لكن هذا لم يقل به أحد من أهل العلم ألبتة, بل إذا فاتته ركعة أتى بالركعة بجميع لوازمها, والتشهد لا بد من الإتيان به لأنه وقع في غير موقعه من صلاته.
155.جاء في صلاة الجمعة على وجه الخصوص (من لم يدرك ركعة كاملة فإنه يأتي بها ظهرًا) يعني لا يقضي ما فاته فقط ولا يتم ما فاته فقط بل عليه أن يصليها ظهرًا.
156.حديث أبي بن كعب (صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده - الحديث -) : لا شك أن ما يؤديه المسلم على الوجه المطلوب المجزئ المسقط للطلب أجره واحد إلا أن هذا الأجر قد يزيد بما يحتف به من أمور كصلاة الجماعة, فقد تقدم أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة, وصلاة الرجل مع رجلين أفضل من صلاته مع رجل واحد, وصلاته مع ثلاثة أفضل من صلاته مع اثنين وهكذا, (وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل) .
157.على هذا ينبغي أن يحرص الإنسان على المساجد التي تكثر فيها الجموع, لأن ما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل, ويفضلون أيضًا بقدم المسجد, ويفضلون أيضًا بفضل الإمام, فإذا كان الإمام من أهل الفضل فالصلاة وراءه