الصفحة 180 من 204

مواقف من هذا النوع, لكن إذا خشي الإنسان على نفسه أو خشي أن يترتب على فعله منكر أعظم فإنه يسعه السكوت, ويبين وينصح في غير هذا الموضع.

48.جاء في مراسيل الحسن - ومراسيله ضعيفة - أن أول من خطب قبل الصلاة عثمان, لكن مادام أن الحسن أدرك القصة فإن هذا لا يعتبر مرسلًا, فهو مما يروى عن الحسن, بل صرح بعضهم بأن سنده جيد إلى الحسن, فإن ثبت هذا عن عثمان فإنه قد تأول, والتمسوا له أن الجموع قد كثرت في المدينة وكثر من تفوته الصلاة أو يفوته شيء منها فأراد أن يدرك الناس الصلاة فقدم الخطبة, وهو خليفة راشد مشهود له بالجنة أمرنا بالاقتداء به, فلا يدخل مثل هذا في حيز البدعة ولا يقال إنه بدعة لأن النبي عليه الصلاة والسلام سماه سنة بقوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي) . ويبقى أنه إذا تعارضت سنة الخلفاء الراشدين مع السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام فإن المرفوع مقدم. وهذا يقال فيه أنه مرجوح وهو سنة, لكنها خالفت فعل النبي عليه الصلاة والسلام, ولذا لم يعمل بها من بعده ولم يقل بها أحد من أهل العلم لمخالفتها لما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام, بخلاف الأذان الأول يوم الجمعة لعدم المخالفة وقد قال به أهل العلم. بخلاف من جاء بعده من بني أمية الذين قدموا الخطبة على الصلاة, لأن الناس كانوا ينصرفون عن استماع خطبهم, لأن فيها شيء من الكلام على بعض الناس مما لا يطيقه كثير من الناس سواء كان بحق أو بغير حق, لكن مثل هذا الكلام لا سيما في الأخيار لا يطاق بلا شك, فكون الجيل الأول لا يستمعون إلى مثل هذه الخطب لا شك أنه عين الحكمة, فاضطروا إلى أن يلزموا الناس بسماع خطبهم فقدموها على الصلاة, لأن الناس لا يمكن أن ينصرفوا قبل الصلاة. وعلى كل حال هذا ليس بمبرِّر.

49.حديث ابن عباس (أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوم العيد ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها) : صلاة العيد ركعتان بالإجماع, والخلاف في قضاء صلاة العيد: هل تقضى على صفتها؟ وهذا قول الأكثر, وهل تقضى أربعًا كالجمعة إذا فاتت؟ قيل بهذا. وروى الطبراني عن ابن مسعود أنه قال (من فاتته صلاة العيد مع الإمام فليصل أربعًا) ورجاله ثقات, قياسًا على الجمعة, لكن الأصل في القضاء أنه يحكي الأداء.

50.قوله (لم يصل قبلها ولا بعدها) : هذا دليل على أن صلاة العيد لا راتبة لها, لا قبلية ولا بعدية, لكن إذا دخل مصلى العيد قبل الإمام بعد ارتفاع الشمس وأراد أن يصلي نفلًا مطلقًا أو تحية للمصلى فهل له ذلك؟ عند الحنابلة أنه لا صلاة قبل العيد ولا بعدها حتى في المسجد, لأن النبي عليه الصلاة والسلام صلى العيد ولم يصل قبلها ولا بعدها, لكن هل هذا وصف لأمر حصل من النبي عليه الصلاة والسلام أو لبيان التشريع؟ لأنه لقائل أن يقول إن النبي عليه الصلاة والسلام صلى الجمعة ركعتين لم يصل في المسجد قبلهما ولا بعدهما وإنما صلى ركعتين في بيته. فهل هذا وصف للواقع؟ وهل هذا يشمل الجميع أو هو خاص بمن كان وصفه كالنبي عليه الصلاة والسلام كالإمام؟ النبي عليه الصلاة والسلام وُصِفَت حاله هنا باعتباره إمامًا, دخل المسجد فصلى العيد وانشغل بصلاة العيد ولم يصل قبلها, كما أنه دخل إلى الجمعة وانشغل بالخطبة ولم يصل قبلها, ولذا لا يشرع للإمام أن يصلي قبل العيد ولا قبل الجمعة, لكن هل يشرع للمأموم أن يصلي قبل الجمعة؟ الجواب: نعم, بل يؤمر بذلك كما جاء في الحديث (هل صليت ركعتين؟ قال: لا, قال: قم فصل ركعتين) , فهل العيد في حكمها, وأن هذا الحديث مجرد وصف لحال النبي عليه الصلاة والسلام باعتباره إمامًا, وتبقى النصوص الأخرى في مواطنها كقوله (إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين) .

51.أما إذا كانت صلاة العيد في المسجد فلا إشكال في أن الأمر بالتحية متجه, ولا يقاوم الأمر بالتحية مثل هذا النص الذي فيه مجرد الوصف, نعم الأصل الاقتداء, لكن النبي عليه الصلاة والسلام له أحوال, حال ينظر إليه باعتباره إمامًا في الصلاة, وحال ينظر إليه باعتباره إمامًا للمسلمين, فيقتدي به أئمة الصلاة في الحال الأولى, وأئمة الإسلام وولاة الأمور في الحال الثانية, وحال باعتباره أسوة وقدوة لجميع الناس.

52.مسألة مصلى العيد خلافية, والحنابلة يرون أنه مسجد وتثبت له أحكام المسجد بخلاف مصلى الجنائز المسمى الجَبَّانة.

53.منهم من يطلق أنه لا صلاة لا قبل العيد ولا بعدها, لا في المسجد ولا في المصلى ولا في البيت, ومنهم من يفرق بين المسجد والمصلى, ومنهم من يفرق بين المسجد والبيت, ومقتضى عموم النفي في قوله (ولا بعدها) أنه لا يصلي بعد العيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت