فإن الصلاة تكون جهرية كصلاتي المغرب والعشاء, وهؤلاء يستدلون بحديث ابن عباس على الإسرار في حال كسوف الشمس, وأما خسوف القمر بالليل فلكونه لم يحصل في عهده عليه الصلاة والسلام فإنه يقاس على صلاة الليل في الجهر.
33.لكن الجهر مطلقًا هو الذي صُرِّح به في الأحاديث الصحيحة, وما عدا ذلك وإن كان صحيحًا إلا أنه ليس بصريح, بل هو محتمل, كحديث ابن عباس.
34.وفي رواية لمسلم (فبعث مناديًا ينادي: الصلاة جامعة) : يجوز الرفع (الصلاةُ جامعةٌ) مبتدأ وخبر, ويجوز النصب (الصلاةَ جامعةً) فيكون منصوبًا على الإغراء, أو يكون منصوبًا بفعل محذوف تقديره (احضروا الصلاة) ويكون قوله (جامعةً) منصوبًا على أنه حال, أي احضروا الصلاة حال كونها جامعة.
35.في هذه الرواية دليل على أن النداء لصلاة الكسوف بهذه الصيغة مشروع. وإذا احتاج إلى تكرار ذلك كرَّر وإلا فلا.
36.حديث ابن عباس (انخسفت الشمس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم فصلى فقام قيامًا طويلًا نحوًا من قراءة سورة البقرة, ثم ركع ركوعًا طويلًا, ثم رفع فقام قيامًا طويلًا, وهو دون القيام الأول, ثم ركع ركوعًا طويلًا, وهو دون الركوع الأول, ثم سجد, ثم قام قيامًا طويلًا, وهو دون القيام الأول, ثم ركع ركوعًا طويلًا, وهو دون الركوع الأول, ثم رفع فقام قيامًا طويلًا, وهو دون القيام الأول, ثم ركع ركوعًا طويلًا, وهو دون الركوع الأول, ثم سجد, ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس) : مذهب الحنفية أن صلاة الكسوف ركعتان لا صفة لهما زائدة, بل يصلي ركعتين كما يصلي صلاة الفجر, ويذكرون في هذا حديثًا (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله فإذا رأيتموهما فصلوا كأقرب صلاة صليتموها من المكتوبة) , وأقرب صلاة من المكتوبة بالنسبة للنبي عليه الصلاة والسلام صلاة الصبح, وهذا الحديث الذي ذكروه في ثبوته نظر, وكيف تُتْرَك مثل هذه النصوص الصحيحة الصريحة المفسَّرة المفصَّلة لخبرٍ مجمل لا يرقى لمعارضتها؟!! فقول الحنفية مرجوح.
37.جاء في صفة السجود في صلاة الكسوف أنه طويل جدًا.
38.ما المراد بالأول في جميع ألفاظ الحديث؟ هل المراد به الأولية المطلقة بمعنى أنه يتميز القيام الأول الذي قرأ فيه نحوًا من قراءة سورة البقرة؟ وقل مثل هذا في الركوع والسجود, أو المراد به الأولية النسبية بمعنى أن كل قيام وكل ركوع وكل سجود أول بالنسبة للذي يليه؟ اللفظ محتمل.
39.إذا قيل إن الأولية مطلقة فإنه يتميز بالطول القيام الأول فقط وهو الذي قرأ فيه نحوًا من قراءة سورة البقرة, وتكون الثلاثة قيامات التالية كلها دون الأول الذي قرأ فيه نحوًا من سورة البقرة وتكون هذه القيامات الثلاثة متقاربة في الطول, وإذا قيل إن الأولية أولية نسبية فكل واحد من القيامات أول بالنسبة لما يليه, فيكون الأطول هو الأول ثم الثاني دونه ثم الثالث دون الثاني ثم الرابع دون الثالث, وقل مثل هذا في الركوع والسجود.
40.المعروف من صلاته عليه الصلاة والسلام أنه يطيل في الأولى ثم الثانية أقصر منها ثم الثالثة أقصر من الثانية وهكذا, لأن الناس يدخلون الصلاة بهمة وعزيمة ونشاط ثم يدب فيهم التعب, فالمرجح هو الاحتمال الثاني.
41.لما وصل إلى القيام الرابع رأى الشمس لم تنجلي فزاد في طول هذا القيام وجعله أطول من القيام الثالث: هذا خلاف السنة المذكورة في هذا الحديث, حتى لو اجتهد وقال إنه يريد أن يستمر في الصلاة حتى تنجلي, ففعله هذا خلاف السنة.
42.قوله (ثم انصرف وقد تجلت الشمس فخطب الناس) : في رواية (حمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله - الحديث -) .
43.في قوله (فخطب الناس) دليل على أن صلاة الكسوف تشرع لها الخطبة, وبهذا قال الشافعية, ومن أهل العلم من يرى أنه لا خطبة لصلاة الكسوف وإنما هذه موعظة وليست بخطبة, فليست لها مراسم الخطبة بحيث يرقى المنبر ويحمد الله ويثني عليه ويأتي بأركان الخطبة وشروطها, وإنما هي كلمة توجيهية بعد الصلاة للتنبيه على خطأ وقعوا فيه, فإذا كان الناس بحاجة إلى التنبيه على شيءٍ بعينه فإنه يتكلم بعد الصلاة ويرشدهم, وإذا لم يكونوا بحاجة فليس هناك خطبة.
44.لكن قوله (فخطب الناس) صريح, اللهم إلا أن يكون هذا من فهم الراوي, بحيث يكون فهم أن هذا التوجيه كان خطبة, ولغيره أن يفهم أن هذا كان تنبيهًا على خطأ وقعوا فيه.
45.أكثر أهل العلم على أنها للحاجة الداعية إلى ذلك, وليست هناك خطبة.