عمر وعلي قد يخفى عليهما هذا النهي والعبرة بما صح عن رسول الله وإن عارضه من عارضه كائنًا من كان. وقد جاء في الحديث (لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر) وهذا في الصحيح.
71.حديث (إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذىً أو قذرًا فليمسحه وليصل فيهما) صحيح وإن اختلف في وصله وإرساله فقد رجح أبو حاتم الوصل. والمسح شامل للمسح بالتراب والمنديل وما أشبه ذلك.
72. (فلينظر) في نعليه ليحتاط لطهارة المسجد ونزاهته وإذا كان تنظيف المسجد من أدنى شيء حتى من القذاة رتب عليه الثواب العظيم فمن يتسبب في تلويثه فلا شك أنه مسيء وإذا كانت النخاعة خطيئة في المسجد فإدخال النجاسات إليه أعظم.
73.بعد المسح تطهر النعل ولو كانت فيها نجاسة فإذا ذهبت عين النجاسة بالمسح طهر النعل وهذا من المطهرات في هذا الموضع وتطهير كل عين بحسبها.
74.الأصل أن التطهير لا يكون إلا بالماء لكن جاء تطهير النعل بالمسح وجاء تطهير الموضع الذي بال فيه الغلام الذي لم يأكل الطعام بالنضح والرش وجاء تطهير المذي بالنضح وجاء تطهير السكين بعد الذبح بالمسح كما قرر ذلك جمع من أهل العلم ومثله كل ما هو صقيل يكتفى بمسحه وشيخ الإسلام يرى أن تطهير ما يتلفه الماء كالكتاب يكتفى بمسحه لأن في غسله إضاعة للمال.
75.حديث (إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب) له شواهد من حديث عائشة وغيرها وهو يشهد للحديث السابق. وهو يدل على الاكتفاء بمسح الخفين لإزالة ما علق بهما من نجاسة ثم بعد ذلك يصلي فيهما.
76.حديث معاوية بن الحكم السلمي (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شي من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن) له سبب وهو أن رجلًا عطس في الصلاة فشمته معاوية فرماه الناس بأبصارهم إنكارًا عليه فقال له رسول الله الكلام السابق مقرًا لهذا الإنكار.
77.كانوا يتكلمون في أول الأمر يتكلمون في الصلاة بقدر الحاجة فكانوا يردون السلام ويشمتون العاطس حتى نزل قوله تعالى (وقوموا لله قانتين) وهنا كأن القصة حصلت بعد نزول الآية ولذا قال له النبي عليه الصلاة والسلام الكلام السابق ولذا يخطئ من يسترسل في الكلام في القنوت مثلًا فبعض الناس إذا شرع في القنوت فكأنه يخطب بل بعضهم يأتي بعبارات صحفية وبعضهم يعتدي في الدعاء وعلى هذا ينبغي أن يحتاط ويقتصر على الأدعية المأثورة سواء في القنوت أو في السجود ليضمن صحة صلاته لأن الأدعية المأثورة ليست من كلام الناس.
78.مثل القنوت دعاء ختم القرآن الذي يفعل في بعض الجهات فإذا أنهى قراءة القرآن في غير موضع القنوت يشرع في الأدعية المشروعة وغير المشروعة وتذكر فيها أسماء الأشخاص ويدعى فيها على بعض الأشخاص وغير ذلك والمقصود أن مثل هذا لا ينبغي التوسع فيه وإن كان جنسه مشروعًا الذي هو أصل الدعاء لكن يبقى أن الإنسان يحتاط لهذه الصلاة التي لا يصلح فيها شيء من كلام الناس.
79.القنوت له أكثر من عشرة معاني منها السكوت ومنها الدعاء ومنها طول القيام والمعنى المناسب في حديث زيد بن أرقم هو السكوت فمعنى (وقوموا لله قانتين) يعني ساكتين.
80. (إن كنا لنتكلم في الصلاة) المراد بذلك ما لا بد منه كرد السلام وتشميت العاطس وما كان بقدر الحاجة وليس معناه أنهم كانوا يتكلمون بما شاؤوا من الكلام.
81. (وقوموا لله قانتين) أمر بالسكوت وفي قوله (ونهينا عن الكلام) دليل على أن الأمر بالشيء نهي عن ضده لأن الصحابي فهم ذلك. من لازم الأمر بالسكوت النهي عن الكلام.
82.ولذا يقرر أهل العلم أن الأمر بالشيء نهي عن ضده وأن النهي عن الشيء أمر بضده لا سيما إذا لم يكن له إلا ضد واحد وأما إذا كان له أضداد فالمسألة تختلف.
83.إذا كان الكلام لمصلحة الصلاة فالمسألة خلافية وحديث ذي اليدين يدل على أنه لا بأس به لكن بقدر الحاجة.