فهرس الكتاب
وعندما يكون المستقبل بالضرورة أدنى مستوى من الماضي، وعندما يكون قصارى الأمل هو أن نكرر في المستقبل لحظة معينة من لحظات الماضي، فعندئذ يفقد المستقبل قيمته بوصفه غاية يتجه إليها نشاط الإنسان، ومن ثم لا تعود هناك حاجة إلى جعله موضوعًا أساسيًا للتفكير ... ولو قفزنا عبر الزمان قفزة كبرى لنصل إلى الوضع السائد في العصر الحاضر لوجدنا أن عددًا غير قليل من الجماعات الدينية المعاصرة في العالم العربي تلخص فلسفتها الإصلاحية في عبارة واحدة هي: (لقد كان المسلمون الأوائل منتصرين في جميع الميادين، وهزموا أعظم دول العالم في زمانهم عندما كانوا يتبعون تعاليم دينهم، ثم تدهورت أمورهم لما انصرفوا عن الدين، وإذن فلنعد إلى حظيرة الدين كيما نصبح مرة أخرى أعظم أمم العالم) ، قد تختلف التعبيرات من جماعة إلى أخرى، ولكني أعتقد أن هذه العبارة تُلخّص الدعوة الفكرية لعدد من أهل الجماعات الإسلامية الحالية. وإذا لم يكن من مهمتنا أن ندخل في جدل يكشف عما في هذه (الوصفة) من سذاجة وقصور -يتمثل قبل كل شيء في تجاهل الفوارق النوعية الهائلة بين عصر الدعوة الإسلامية والعصر الحاضر وإسقاط كل التغيرات التي طرأت على العالم كله في الفترة الواقعة بين الحقبتين - فإننا نستطيع أن نكتشف بسهولة في هذه المعادلة المبسطة التي تقتنع بها أعداد هائلة من العرب المعاصرين نفس السمة التي كنا نشير إليها منذ قليل، وهي أن أقصى حلم يتمناه هذا الفكر للمستقبل هو أن يتخذ شكل الماضي البعيد، وأن الإحياء والتجديد هو الأمل الأكبر، أما التجاوز فمستحيل" [1] ."
-ويعدُّ فؤاد زكريا الاقتداء بالسلف الصالح والالتزام بمنهجهم اغترابًا زمانيًا وقفزًا فوق الزمن، ويرى أنه لا يصح الربط بين الأصالة وذلك الاقتداء والالتزام، لانقطاع الخيط الذي يصلنا بزمن السلف الصالح، ولأن منهجهم لم يطبق -في
(1) المرجع السابق ص 87 - 89.