فهرس الكتاب
نظره- إلا فترة زمنية محددة هي فترة صدر الإسلام. فنراه يقول -بعد أن تحدث عن دعوة البعض إلى محاكاة النموذجين الغربيين الرأسمالي والاشتراكي-:"... غير أن هناك نوعًا آخر من المحاكاة يوصف بأنه لا يتضمن أي خروج عن الأصالة، بل يقال إنه هو نفسه التعبير الحقيقي عن الأصالة، وأعني به: محاكاة أسلافنا والعودة إلى نموذج الحياة الذي كان سائدًا إبان انتشار دعوتهم وازدهار دولتهم، وقد يتخذ هذا النموذج شكلًا إسلاميًا، فيقال: إن صيغة التقدم الوحيدة المتاحة لنا هي أن نعود إلى إسلام السلف الصالح، مادام هؤلاء قد تمكنوا بفضل إيمانهم من تثبيت دعائم دولة كبرى؛ وقهر أعظم امبراطوريات التاريخ القديم ... هذا النوع من محاكاة الأجداد، أو -حسب العبارة التقليدية- الاقتداء بالسلف الصالح يُعد في نظر الكثيرين الحل الأمثل لمشكلة الأصالة، فنحن في هذه الحالة نعود إلى جذورنا ونرتد إلى أصولنا، ومن ثم فإننا في واقع الأمر لا نحاكي أحدًا، لأن المحاكاة إنما تكون بين طرفين متغايرين، وهو مالا ينطبق على العودة إلى الذات في منابعها الأصلية. ولكن هل تكمن الأصالة في مثل هذه العودة إلى الماضي بحق؟ ... إن أنصار الاقتداء بالسلف الصالح يركزون دعوتهم على فترة معينة من التاريخ، هي على وجه التحديد فترة صدر الإسلام، والنموذج الذي يدعون إلى الاقتداء به هو نموذج الإسلام الأول؛ إسلام الدعوة والكفاح والانتصار وبناء الحياة الجديدة، أي: عصر النبي والخلفاء الراشدين، وربما توسع بعضهم فامتد إلى نهاية القرن الأول والثاني من الهجرة، ولكن المهم في الأمر أن بؤرة الاهتمام ومركز الإشعاع هو أقدم عصور الإسلام. ويعترف أنصار هذه الدعوة أنفسهم بأن الفترة التي تلت ذلك، أعني: الفترة التي تفصلنا عن عصر الانتصار الأول كانت في معظم الأحيان فترة تدهور وتراجع وخروج عن الخط القويم؛ وعن النموذج الرائع الذي ضربه لنا المسلمون الأوائل، وبعبارة أخرى: فإن معظم فترات التاريخ الإسلامي كانت -باعتراف أنصار هذا الرأي- انقطاعًا عن المسار الذي بدأ بداية مجيدة؛ وخروجًا أو انحرافًا عن"