السارق كان معمولًا به قبل الإسلام في جزيرة العرب. ثانيًا: أنه في مجتمع بدوي ينتقل أهله بخيامهم وإبلهم من مكان إلى آخر طلبًا للكلأ؛ لم يكن من الممكن عقاب السارق بالسجن، إذ لا سجن ولا جدران ولا سلطة تحرس المسجون وتمده بالضروري من المأكل والملبس ... . الخ، وإذن فالسبيل الوحيد هو العقاب البدني. وبما أن انتشار السرقة في مثل هذا المجتمع سيؤدي حتمًا إلى تقويض كيانه، إذ لا حدود ولا أسوار ولا خزائن، فلقد كان من الضروري جعل العقاب البدني يلبي هدفين: تعطيل إمكانية تكرار السرقة إلى ما لا نهاية، ووضع علامة على السارق حتى يُعرف ويحتاط الناس منه، ولا شك أن قطع اليد يلبي هذين الهدفين معًا، وإذن فقطع يد السارق تدبير معقول تمامًا في مجتمع بدوي صحراوي يعيش أهله على الحل والترحال، ولما جاء الإسلام وكان الوضع العمراني الاجتماعي زمن البعثة لا يختلف عما كان عليه من قبل احتُفظ بقطع اليد كحد للسرقة من جملة ما احتُفظ به من التدابير والأعراف والشعائر التي كانت جارية في المجتمع العربي قبل الإسلام، مع إدراجها في إطار خلقية الإسلام" [1] ."
ثالثًا: التوسع في تحديد مقاصد الشريعة، وعدم الاقتصار فيها على ما ذكره فقهاء الأمة واتفقوا عليه فيما يدخل ضمن الضروريات، والحاجيات، والتحسينات، حيث يقول:"إن الأمور الخمسة التي حصر فيها فقهاؤنا القدامى (الضروريات) كانت وما تزال وستبقى أمورًا ضرورية بالفعل، أي مقاصد أساسية لكل تشريع يستهدف فعلًا خدمة (مصالح العباد) ، غير أن (مصالح العباد) اليوم لم تعد مقصورة على حفظ الدين والنفس العقل والنسل والمال، بل إنها تشمل بالإضافة إلى الأمور الخمسة المذكورة أمورًا أخرى نعتقد أنه لابد من أن ندرج فيها: الحق في حرية التعبير وحرية الانتماء السياسي، والحق في انتخاب الحاكمين وتغييرهم، والحق في الشغل"
(1) المرجع السابق ص 60 - 61.