فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 746

العربي إلى العلاقة بين الأرض والسماء، بين المخلوق والخالق، بين الواقع والمثال، بين الدنيا والآخرة، بين المعقول والمنقول، هذه كلها ظلال من موقف واحد وحقيقة واحدة. ونظرة العربي في صميمها هي: أن السماء قد أمرت وعلى الأرض أن تطيع، وأن الخالق قد خط وخطط، وعلى المخلوق أن يقنع بالقسمة والنصيب، وأن المثال سرمدي ثابت، وعلى الواقع أن يقسر نفسه على بلوغه، وأنه إذا ما تعارضت الآخرة والدنيا كانت الآخرة أحق بالاختيار، وأن المنقول إذا تعارض مع المعقول ضحينا بالمعقول ليسلم المنقول. تلك هي وقفة العربي في صميمها، لك أن تقول: إنها وقفة أفلاطوينة أكثر منها أرسطية، إذ هي وقفة من يجعل الثبات للسماء والفناء للأرض، ففي السماء الأصول، وعلى الأرض الأشباح والظلال، إنها ثنائية حادة بين الغيب والشهادة، بين الروح والجسد، بين الإنسان والله، العلاقة بين الطرفين ليست هي التبادل بالأخذ والعطاء، بل هي علاقة الحاكم بالمحكوم" [1] ."

ويرى أن"الديانات المختلفة مثل آخر للنسقات الفكرية التي تنبني على مبادئ، كل منها يضع كتابه أمام مبدأ يسير منه ويستنبط" [2] ،"والمبادئ في شتى البناءات الفكرية ليست حقائق تفرض نفسها على الإنسان؛ بحيث لا يكون له قبلٌ على تغييرها وتبديلها، بل هي -بحكم طبيعتها- (فروض) يفرضها الإنسان لنفسه حرًا مختارًا، وهو يفرضها لتخدم أغراضه، فإن هي أفلحت في خدمة تلك الأغراض كان بها، وإلا فهو يبدلها بسواها؛ حتى يقع على أنفع المبادئ لحياته العلمية" [3] . وينتج من كلامه هذا أن الدين والوحي مجرد فروض بشرية تجريبية افترضها الأسلاف لتلائم واقعهم وبيئتهم، وليس من حق أحد أن يعطيها صفة الثبات والخلود، بل لنا أن نبدلها وننسفها نسفًا، وقد صرح بذلك بوضوح، فقال:"ذلك أني أردت أساسًا"

(1) المرجع السابق ص 294.

(2) المرجع السابق ص 194.

(3) المرجع السابق ص 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت